اليُسر الكامن في قلب العُسر

كنت قد انتهيت في مقالة سابقة لي بعنوان “اليُسر الذي كان بوسعنا أن نتبيَّنه” إلى أننا كثيراً ما يفوتنا تبيُّن اليُسر الذي أنبأنا الله تعالى في قرآنِه العظيم بأن ما من عسر يقدِّره علينا إلا وكان اليُسر مقدَّراً معه أيضاً: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا( (5- 6 الشرح). فلو أننا انشغلنا بالبحث عن مكمن اليُسر، حين يدهمنا العسر، لتبيَّن لنا من معنى قولِ اللهِ تعالى هذا ما كان بوسعنا أن نفيد منه في الارتقاء بحالِنا مع الله تعالى، وذلك إنفاذاً لمشيئته التي قدَّرت علينا هذا العُسر لغاية لا يعلمها إلا هو. ولكننا سمحنا للعسر بأن يستأثر بعقولنا، ويستحوذ على تفكيرنا، ويحول بالتالي بيننا وبين إدراك ما ينطوي عليه من إمكاناتٍ لم نكن لنفطن إلى وجودها لولا أننا أمعنا النظر فيه وتدبرنا ما اشتمل عليه من أسباب وملابسات.
فنحن، حين يدهمنا العسر، قلما ننشغل بغير ما يقتضيه منا من جهد للخلاص منه، ولكأن العسر قد أوتي من السلطة على عقولنا ما يجعله قادراً على أن يحجب عنا كل ما عداه! وهكذا ينتهي بنا الأمر إلى أن نرى في العسر واقعاً لا يحتمل غير المشقة، وأن نتصور اليسر نقيضاً له لا سبيل إلى إدراكه إلا بزواله! ولكن هل هذا هو ما تقضي به حقيقة العلاقة بين العسر واليسر؟ وهل ينبغي أن ننتظر انقضاء العسر حتى يتسنى لنا أن نتبين ما كان بوسعنا أن نهتدي إليه من يسر والعسر لا يزال قائماً؟
إن تدبر قول الله تعالى (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) يضعنا أمام دلالة قرآنية جديرة بأن نمعن النظر فيها؛ فالله تعالى لم يقل هنا إن اليسر لا يأتي إلا بعد العسر، وإنما قال إنه “مع العسر”. وهذا التلازم الذي تفصح عنه الكلمة القرآنية “مع” يدعونا إلى مراجعة تصورنا المعهود للعلاقة بينهما؛ إذ ليس من الضروري أن يكون العسر واقعاً يخلو تماماً من أسباب اليسر، كما ليس من الضروري أن يكون اليسر حدثاً مؤجلاً لا يتحقق إلا بانقضاء العسر وانجلاء ما نكابده من مشقة جراءه. فقد يكون في ثنايا العسر ما يعيننا على تجاوزه، وقد يكون في الملابسات التي أحاطت بنا ما لم نكن لنراه لو أننا لم نحصر اهتمامنا فيما أصابنا من الضيق!
ولعل من أعظم ما يحول بين الإنسان وتبين هذا اليسر، الكامن في قلب العسر، أنه اعتاد أن ينظر إلى ما يدهمه من عسر بوصفه مشكلةً مكتملة الأركان قائمةً لا زوال لها، وليس بوصفه واقعاً تتداخل فيه أسباب المشقة مع إمكانات تجاوزها! فالإنسان ما أن يجد نفسه إزاء ما يعجز عن مواجهته بما اعتاده من وسائل، حتى يسارع إلى الحكم باستعصائه على أي حل، متغافلاً عن الحقيقة التي مفادها أن عجزه عن تبين الحل لا يعني بالضرورة انتفاء وجوده! فشتان ما بين أن يكون اليسر غير موجود، وبين أن يكون موجوداً ولكننا لم نهتد بعد إلى تبيُّن وسائل إدراكه!
ومن هنا تتجلى القيمة الوجودية التي تنطوي عليها استجابتنا للعسر بوصفه قدراً إلهياً، وليس كما يحلو لنا أن نتوهمه تجلياً آخر من تجليات ما تنطوي عليه حياتنا من منغصات نتوهم أنها لا تستهدف أحداً من الخلق كما تستهدفنا! وهنا يكمن وجوب إخضاع استجابتنا للعسر لمراجعةٍ معرفية لا تقل ضرورة عن سعينا لتجاوزه. فالعقل الذي يستسلم لـ “الانطباع الأول”، الذي يفرضه عليه العسر، قد يحرم نفسه من اكتشاف بدائل كان بوسعه أن يبدعها لولا أنه استعجل الجزم باستحالة الخلاص منه. أما العقل الذي يبقي باب الاحتمالات مفتوحاً، ويعيد النظر في الأسباب والملابسات، فإنه يمنح نفسه فرصةً لتبين ما استخفى عليه من أمر اليُسر، الذي صدَّق اللهَ تعالى حين أخبره بأنه ملازم للعسر لا يفارقه. وهنا لابد من أن نشدد على أن ليس معنى هذا أن كل عسر يمكن إزالته بمجرد تغيير طريقة التفكير فيه، أو أن كل مشقة تخفي وراءها حلاً يسيراً بإمكاننا أن نعمل العقل في أسبابه فنهتدي من فورنا إلى ما يزيحه عن كاهلنا، وإنما المعنى هنا أن استغراقنا في الإحساس بالعسر قد يزيده عسراً، وذلك حين يحجب عنا ما كان بوسعنا أن نفعله إزاءه في غمرة سعينا لإزالة أسبابه! ولذلك فإن قيامنا بالإكثار من تذكر قول الله تعالى (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) يجعلنا أكثر قدرةً على تبين السبيل الذي أرادنا الله تعالى أن نهتدي إليه حتى لا ننشغل بالعسر عن التعرض لتجليات اليسر الذي استخفى علينا إدراكه.
وهنا لابد من التشديد على حقيقة مفادها ما يضيفه دوام هذا التذكر لقول الله تعالى حين تستبد بالنفس مشقة العسر، وتحول بينها وبين تبين مكمن اليسر، من أن الوعد الإلهي باليسر أوسع من أن نحصره في قدرتنا المعرفية على اكتشاف الحلول التي تعيننا على استئصال شأفة العسر. وهكذا، فإن السؤال الذي ينبغي لنا أن نطرحه على أنفسنا حين يدهمنا العسر هو ليس “متى ينتهي هذا العسر حتى يأتي اليسر؟” فحسب، وإنما أيضاً “أين اليسر الذي أخبرنا الله تعالى أنه يصاحب العسر؟”. وهذا أمر يستفز العقل إذ يجعله يشحذ قدراته المعرفية ليتبين ما هو واثق من وجوده من يسر.

اترك تعليقًا