
ما من شيء يكشف عن تناقضات الإنسان المعرفية والسلوكية مثل إصراره على أن يجعل غيره مسؤولاً عما كان ينبغي له أن يتحمل هو مسؤوليته! فالإنسان، الذي لا يكاد يتوقف عن تعظيم عقله والإشادة بما يزعم أنه يتميز به عن غيره من الكائنات الحية من قدرةٍ على التفكير والتدبر والتمييز بين الصواب والخطأ، هو الإنسان ذاته الذي لا يتردد في التنصل عن تبعات أفعاله وحصائد أقواله متى ما وجد في غيره مَن بإمكانه أن يحمِّله وزر ما اقترفت يداه أو نطق به لسانه! فلكأن العقل، الذي يتباهى الإنسان بامتلاكه، لا يُلزمه بتحمُّل المسؤولية عما يصدر عنه من أفعالٍ وأقوال، بقدر ما يمنحه القدرة على ابتداع الذرائع التي تتيح له أن يتنصل منها! ولعل من أعجب مفارقات هذه النزعة البشرية أن الإنسان لا يجد غضاضة في أن يلومَ ما لا عقل له ولا إرادة مستقلة عوض عن أن يوجِّه اللومَ إلى نفسه، أو إلى أولئك الذين كان عليهم أن يتحملوا المسؤوليةَ عما آل إليه الأمر!
ولقد قدَّمت لنا مسابقة الشعر الاسترالية لعام 2026 مثالاً معاصراً يستحق التأمل في هذه النزعة، وذلك حين فاز الطالب الاسترالي بليك مكنزي، البالغ من العُمُر 12 عاماً، بالمركز الأول في فئة الشباب إثر إلقائه قصيدة بعنوان “عزيز تشات جي بي تي” (Dear Chat GPT)، وذلك في دار أوبرا سدني يوم الخامس والعشرين من أكتوبر. ففي هذه القصيدة، التي لم يتجاوز إلقاؤها 90 ثانية، وجَّه الفتى خطابه إلى الذكاء الاصطناعي محمِّلاً إياه جانباً من المسؤولية عما أصاب الأطفال من تعلُّق به، وما ترتب على هذا التعلق من عزلة اجتماعية واعتماد على هذه التقنية في أداء الواجبات المدرسية حتى بات بعضهم يستعين به لتلخيص الكتب عوضاً عن قراءتها، ولم يقتصر نقده على ذلك، بل امتد إلى ما يقتضيه تشغيل هذه الأنظمة من استهلاك للموارد الطبيعية!
وليس في وسعنا أن ننكر على هذا الفتى حقَّه في أن يعبر عن مخاوفه، أو أن نستخف بما تنطوي عليه قصيدته من تساؤلات مشروعة بشأن مستقبل العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، غير أنَّ ما ينبغي لنا أن نتوقف عنده هو ذلك السؤال الذي لا يبدو أنَّ الخطاب الموجَّه إلى الذكاء الاصطناعي قد منحه ما يستحق من اهتمام: مَن الذي أتاح للأطفال أن يتعلقوا بهذه التقنية، وإلى الحد الذي بات معه هذا التعلق مدعاة للقلق؟ هل الذكاء الاصطناعي هو الذي اقتحم بيوت الناس ومدارسهم من تلقاء نفسه، أم الإنسان الذي ابتكره ثم أتاح وأشاع استخدامه ولم يحسن، في كثير من الأحيان، تقدير ما ينبغي أن يخضع له هذا الاستخدام من ضوابط تربوية ومعرفية وأخلاقية؟ وكيف يجوز لنا أن نلوم التقنية على ما نجم عن إساءة استخدامها، من دون أن نبدأ بمساءلة أولئك الذين كان عليهم أن يضطلعوا بمسؤولية توجيه الأطفال والإشراف على ما يتعرضون له من مؤثرات؟ فالأهل، وكذلك القائمون على العملية التربوية، لا يستطيعون أن يتنصلوا من مسؤولياتهم بمجرد الإشارة إلى ما ينطوي عليه الذكاء الاصطناعي من مخاطر! ذلك أن التربية لا تعني أن نترك الطفل يواجه ما يستجد في عالَمه من تحديات، ثم نكتفي بالتنديد بهذه التحديات، وذلك حين تظهر آثارها غير المرغوبة! بل تعني، من باب أولى، أن نعمل على تنمية قدرته على التمييز بين ما ينبغي أن يستعين به وما ينبغي أن يحذر منه، وبين ما يُثري عقله وما قد يحول بينه وبين أن يمارس هذا العقل ما خُلق له من تفكير وتدبر وإبداع. فالطفل الذي يستعين بالذكاء الاصطناعي ليقرأ عنه كتاباً كان عليه أن يقرأه بنفسِه، لا ينبغي أن يكون موضع اللوم الأول؛ إذ أن السؤال التربوي الأجدر بالطرح هو: لماذا لم ننجح في أن نجعله يدرك أن الغاية من القراءة هي ليست مجرد الحصول على خلاصة لما يشتمل عليه الكتاب، وإنما ممارسة ذلك الجهد العقلي الذي لا سبيل إلى تنمية ملَكاته من دون بذله؟
ولعل ما يزيد هذه المفارقة وضوحاً أن بليك ماكنزي نفسه قدَّم، من حيث لا يقصد، مثالاً على ما تستطيع التربية أن تفعله حين تضطلع بمسؤوليتها. فقد كانت معلمته هي التي شجعته على المشاركة في هذه المسابقة، بعدما تنبهت إلى موهبته، وواصلت دعمه حتى بلغ نهائياتها. وهكذا، فإن الفتى الذي وقف على المسرح مننتقداً ما يفعله الذكاء الاصطناعي بعقول الأطفال، إنما كان يقف هناك بفضل تدخل تربوي بشري أسهم في تنمية موهبته وإتاحة الفرصة لها لكي تتجلى!
أفلا ينبغي لنا، والحال هذه، أن نتبين في هذه المفارقة ما يدلنا على أن المشكلة لا تكمن في وجود الذكاء الاصطناعي ذاته، وإنما في الكيفية التي يتعامل الإنسان معه، وفي مقدار ما يبذله من جهد ليحول دون أن تصبح هذه التقنية بديلاً عن ممارسة العقل لفاعليته. وليس المقصود بذلك تبرأة الجهات التي تعمل على تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي من مسؤولياتها، أو إنكار بعض ما تنطوي عليه بعض خصائص هذه الأنظمة من قدرة على “استبقاء” المستخدمين وتشجيعهم على الإفراط في الاعتماد عليها. فهذه الجهات تتحمل، هي الأخرى، مسؤولية أخلاقية وتقنية عن كيفية تصميم منتجاتها، وعن الضوابط التي ينبغي أن تحول دون تعريض الأطفال لمخاطر بالإمكان توقعها. غير أن الاعتراف بهذه المسؤولية لا يجيز لنا أن نتجاهل المسؤولية المقابلة التي تقع على عاتق الأسرة والمدرسة والمجتمع. فثمة فرق جوهري بين أن نبحث في الأسباب المتعددة لظاهرة ما، وأن نختزل هذه الأسباب جميعاً في عامل واحد ثم نجعل منه المتهم الذي يعفينا من مساءلة أنفسنا!
وهنا تتجلى واحدة من أخطر آفات العقل البشري؛ ألا وهي قدرته على ابتداع تمثلات للواقع تتيح له أن يبرِّئ نفسه مما هو مسؤول عنه! فالإنسان لا يكتفي بأن يتصور العالَم وفقاً لما تمليه عليه رغباته ومخاوفه، بل قد يعمد إلى إعادة ترتيب العلاقة بين الأسباب والنتائج حتى ينتهي به الأمر إلى ما يحفظ له صورته المتعاظمة عن نفسه! فإذا ما أخفق الإنسان في أداء واجب كان عليه أن يؤديه، فإنه لا يعدم وسيلة تجعله يرى إخقاقه نتيجة لفعل غيره! وإذا ما أساء الإنسان استخدام أداة ابتكرها، فإنه لا يجد غضاضة في أن ينسب إلى هذه الأداة ما ترتب على إساءة استخدامها! وهكذا يصبح “فائض التمثل”، الذي يتميز به العقل البشري، لا وسيلة للارتقاء بفهمه للواقع، بل وسيلة للالتفاف على ما يفرضه هذا الواقع من حقائق لا يريد أن يقّرَّ بها!
ولنا أن نتساءل هنا: ما الذي يجعل الإنسان شديد الحرص على أن يكون صاحب الفضل الوحيد فيما يتحقق من إنجازات، وشديد الاستعداد في الوقت ذاته لأن يجعل غيره مسؤولاً عما قد ينجم عن أفعاله من إخفاقات؟ ولماذا لا يتعامل مع المسؤولية بوصفها “الوجه الآخر” لتلك الحرية التي لا يكف عن المطالبة بها؟! أليس من التناقض أن يصرَّ الإنسان على أنه الكائن الوحيد الذي بلغ من الرقي العقلي ما جعله قادراً على ابتكار الذكاء الاصطناعي، ثم يتصرف وكأن هذا الابتكار قد استقل عنه استقلالاً يبيح له أن يتنصل من مسؤوليته عن كيفية إدخاله في حياة أطفاله؟! إن ما يستحق المساءلة هنا هو ليس الذكاء الاصطناعي وحده، بل ذلك العقل البشري الذي يطالبنا بأن نعترف له بالفضل في صناعة هذه التقنية المتقدمة، ثم يطالبنا، ويا للمفارقة، بأن نعفيه من المسؤولية عما قد ينجم عن استخدامها من أضرار!
لذلك فإن قصيدة “عزيز تشات جي بي تي” مهما أثارت من قدرة على إثارة الانتباه إلى مخاطر الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، فإنها تتيح لنا، في الوقت ذاته، أن نطرح سؤالاً يتجاوز ما أراد صاحبها التعبير عنه: هل نحن بصدد مواجهة مشكلة أحدثتها الآلة في حياة الإنسان، أم أننا أمام تجلٍّ جديد لمشكلة بشرية أقدم بكثير من التقنية التي تجلَّت في هذه الآلة؟ فهذه المشكلة تتمثل في عجز الإنسان عن أن يراجع نفسه قبل أن يلوم غيره. فليس الذكاء الاصطناعي هو أول ما حمَّله الإنسان مسؤولية ما كان عليه أن يتحمل مسؤوليته بنفسه، وبكل تأكيد فإنه لن يكون آخره، وذلك ما دام هذا الإنسان يجد في إلقاء اللوم على غيره ما يُغنيه عن مواجهة أوجه القصور في تفكيره وسلوكه. ولعل السؤال الذي ينبغي أن نختم به هذه المقالة هو ليس “ما الذي فعله الذكاء الاصطناعي بعقول أطفالنا؟”، وإنما “ماذا فعلنا نحن بعقول أطفالنا حتى بات بمقدور الذكاء الاصطناعي أن يشغل فيها المكان الذي كان ينبغي للتربية والتعليم والتفكير المستقل أن تشغله؟”، فليس من الإنصاف أن نطالب التقنية بأن تتحمل وحدها تبعات ما أخفق الإنسان في الاضطلاع به من مسؤوليات. وما لم يتعلم الإنسان أن يبدأ بمساءلة نفسه، قبل أن يسارع إلى إدانة غيره، فإنه سيظل يبتكر من الوسائل والأدوات ما يضاعف قدرته على تغيير العالَم من دون أن يواكب ذلك تغيير في قدرته على تحمل مسؤولية ما يأتي به هذا التغيير!
