حلُّ المشكلات بالتذرُّع بأسبابها، وإلا فبالتضرُّع إلى ربِّ أسبابها… كبيرُ إخوة يوسف مثالاً

من أعظم ما يعلِّمنا إياه القرآن العظيم أنَّ الإنسان ليس مطالباً بأن يتخلَّى عن الأسباب التي أتاحها الله له كلما ألمَّت به مشكلة، ليبادر إلى التضرُّع إليه طالباً منه أن يتولى حلَّها نيابةً عنه. ذلك أنَّ الأخذ بالأسباب ليس نقيضاً للتوكل على الله، كما أنَّ التضرُّع إليه لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة يتوسل بها الإنسان للتنصُّل مما يترتب عليه من مسؤولية في مواجهة ما يعترض سبيله من مشكلات. ولنا في موقف كبير إخوة يوسف، كما قصَّه علينا القرآن العظيم، مثالٌ يستحق التدبر؛ إذ قال لإخوته بعدما تعذَّر عليهم استرجاع أخيهم من مصر: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ (من يوسف: 80). فما الذي جعل هذا الرجل يعلِّق مغادرته أرض مصر على أحد أمرين: أن يأذن له أبوه بالرجوع، أو أن يحكم الله له؟ ولماذا لم يجعل انتظار الحكم الإلهي خياره الوحيد منذ البداية؟ إنَّ في هذا الموقف ما يدعونا إلى تدبُّر العلاقة بين مسؤولية الإنسان عن أفعاله، وما أتاحه الله له من أسباب، وبين إيمانه بأنَّ لله الحكم من قبلُ ومن بعد.
لقد كان كبير إخوة يوسف يدرك أنَّ ما آل إليه أمر أخيه لم يكن شأناً يستطيع أن يتصرف فيه بمعزل عن أبيه، الذي سبق أن أخذ عليهم موثقاً من الله بأن يأتوه به إلا أن يُحاط بهم. ولذلك لم يجد لنفسه مسوِّغاً للعودة إلى أبيه من دون أخيه، ولم يرَ أنَّ عجزه عن تغيير ما وقع يبيح له التحلل من مسؤوليته. وهنا تتجلَّى دلالة قوله: ﴿حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾؛ فهو، من جهة، ينتظر الإذن ممن له عليه حقٌّ والتزام، ومن جهة أخرى، لا يغلق الباب أمام ما قد يقضي الله به من أمر يغيِّر الحال التي انتهى إليها. وليس في هذه الآية ما يوجب علينا أن نفهم الحكم الإلهي على أنه تدخل مباشر خارج مجرى الأسباب، ولكنَّ فيها ما يتيح لنا أن نتبيَّن أدباً رفيعاً في التعامل مع المشكلات قوامه ألا يجعل الإنسان من إيمانه بقدرة الله المطلقة مبرراً لإهمال ما يقع عليه من واجب، وألا يجعل من عجزه عن إدراك المخرج بالأسباب المتاحة دليلاً على استحالة أن يكون للمشكلة مخرج آخر لم يتبيَّنه بعد. وهكذا لا يكون التضرُّع إلى الله بديلاً عن المسؤولية، وإنما يكون تعبيراً عن إدراك الإنسان حدود قدرته، بعد أن يكون قد بذل ما في وسعه، أو وهو لا يزال يبذله.
ولعلَّ ما يزيد هذه المسألة وضوحاً أن نستذكر أنَّ القرآن الكريم لا يقدِّم لنا الأخذ بالأسباب والتوكل على الله بوصفهما طريقين متعارضين، بل بوصفهما وجهين لعلاقة واحدة بين الإنسان وربه. فقد قال يعقوب لبنيه: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ (من يوسف: 87). فالأمر بالذهاب والتحسُّس هو دعوة صريحة إلى العمل والبحث واستقصاء الأسباب، بينما النهي عن اليأس من روح الله هو دعوة إلى ألا يحصر الإنسان إمكانات الفرج في حدود ما يعرفه من أسباب وما يستطيع أن يتصوره من حلول. وبذلك، فإنَّ ما يمكن أن نخرج به من موقف كبير إخوة يوسف لا يتمثل في وجوب تأخير الدعاء إلى ما بعد استنفاد كل سبب، وإنما في وجوب ألا يتذرَّع الإنسان بالدعاء ليتنصل من مسؤوليته عن البحث عن الأسباب. فالله الذي نضرع إليه هو ذاته الذي أودع في عالمنا أسباباً، ومنحنا من العقل والإرادة والقدرة ما يجعلنا مسؤولين عن السعي إلى اكتشافها والعمل بموجبها. ومن هنا، فإنَّ تمام الأدب مع الله لا يتحقق بتعطيل الأسباب انتظاراً لتدخله، ولا بالاغترار بالأسباب حتى نغفل عن ربها، وإنما بأن نأخذ بها من غير أن نؤلِّهها، وأن نتضرَّع إليه من غير أن نجعل التضرُّع ذريعةً إلى تركها. فليس كلُّ عجزٍ عن حلِّ مشكلة دليلاً على انعدام أسباب حلِّها، وليس كلُّ تضرُّعٍ إلى الله شاهداً على صدق التوكل عليه، ما لم يقترن بإدراك الإنسان لما عليه من مسؤولية تجاه ما يستطيع فعله.

اترك تعليقًا