
من أعظم ما يقتضيه منا التدبر في تاريخ العلاقة بين الإنسان والشطرنج أن نعيد النظر في تلك التصورات التي درجنا على إسباغها عليه، حتى انتهى بنا الأمر إلى اعتباره مجرد لعبة يتسلى بها لاعبان، يتواجهان على رقعة ذات مربعات متناوبة الألوان، ويحاول كل منهما أن يتغلب على الآخر وفقاً لقواعد محددة سلفاً. غير أن هذا التوصيف، وإن لم يكن خاطئاً من الناحية الشكلية، فإنه لا يكاد يخبرنا بشيء ذي بال عن حقيقة الشطرنج، ولا عن ذلك التحدي المعرفي الذي يفرضه على العقل البشري كلما اضطر إلى مواجهته بما يتطلبه من قدرات على التفكير الاستراتيجي والتخطيط والاستشراف والترجيح.
ولعل أول ما ينبغي علينا أن نتحرر منه، ونحن نسعى إلى إعادة النظر في حقيقة الشطرنج، هو ذلك الخلط بين ما يتصف به نشاط ما من مظاهر خارجية، وما ينطوي عليه من بنية معرفية وتنظيمية. فليس كل ما يمارسه الإنسان بقصد التسلية مجرد تسلية، كما أن الغاية التي يقصدها المرء من ممارسة نشاط بعينه لا تكفي وحدها لتحديد ماهية ذلك النشاط، ولا لتعيين موقعه بين الأنشطة الإنسانية الأخرى.
فالشطرنج، وإن كان بوسع الإنسان أن يمارسه طلباً للمتعة والترويح عن النفس، فإنه ينطوي على نظام من العلاقات والقواعد والتحديات يجعله أقرب إلى رياضة فكرية استراتيجية، يتعين على من يمارسها أن يحشد ما بحوزته من قدرات عقلية، وأن يعمل على تطويرها والارتقاء بها، حتى يتسنى له إحكام السيطرة على مجريات المواجهة التي يخوضها مع خصمه.
ولقد شهد الشطرنج، منذ ظهور صوره التاريخية المبكرة في آسيا، مروراً بانتقاله وتطوره عبر الحضارات، وصولاً إلى صورته الحديثة، تحولات متعددة لم تقتصر على أشكال قطعه وقواعد حركتها، بل شملت كذلك الكيفية التي أخذ الإنسان يفكر بها في هذه الرياضة، ويؤسس لممارستها نظماً واستراتيجيات وأساليب تحليلية متزايدة التعقيد.
وما يستحق التأمل هنا أن هذا التطور لم يكن مجرد تراكم لقواعد اللعب، وإنما كان، في جانب مهم منه، تاريخاً لتطور التعامل المعرفي للإنسان مع مشكلة استراتيجية تتجدد في كل مواجهة، ولا تتطابق حلولها بالضرورة مع الحلول التي انتهى إليها في مواجهات سابقة.
فما الذي يجعل الشطرنج مختلفاً عن كثير من الأنشطة التي درجنا على إدراجها تحت مسمى الألعاب؟
إن الإجابة لا تكمن في عدد قطعه، ولا في شكل الرقعة التي تجري عليها المواجهة، ولا حتى في القواعد التي تنظم حركة هذه القطع. وإنما تكمن، من باب أولى، في طبيعة العلاقة التي تنشأ بين العقل البشري وهذه القواعد حين يجد نفسه مضطراً إلى اتخاذ قرار لا يستطيع أن يتبين جميع ما سيترتب عليه من نتائج.
فكل نقلة في الشطرنج لا تمثل مجرد انتقال قطعة من موضع إلى آخر، وإنما تمثل اختياراً بين جملة من الإمكانات، يقتضي ترجيح أحدها استبعاد غيره، استناداً إلى تصور اللاعب لما يمكن أن يترتب على اختياره من نتائج، وما قد يستدعيه ذلك من ردود فعل خصمه.
وهنا تتجلى واحدة من أعظم الخصائص المعرفية للشطرنج: فاللاعب لا يواجه الواقع القائم على الرقعة فحسب، وإنما يواجه كذلك ما يتصوره من وقائع محتملة لم تتحقق بعد.
إنه، والحال هذه، لا يكتفي بالتعامل مع الوضع الراهن، بل يجد نفسه مطالباً بأن يتجاوز هذا الوضع إلى استشراف ما يمكن أن يؤول إليه، وأن يبدع من السيناريوهات البديلة ما يمكّنه من المفاضلة بين احتمالات متعددة، لا يتساوى جميعها في قابليته للتحقق، ولا في مقدار ما ينطوي عليه كل منها من فرص النجاح ومخاطر الإخفاق.
وهذا هو عين التحدي الذي يواجهه العقل البشري في كثير من مناحي الحياة التي تتطلب منه التفكير العقلاني والتخطيط الاستراتيجي واتخاذ القرارات.
غير أن الشطرنج يضيف إلى هذا التحدي عنصراً ذا دلالة استراتيجية بالغة، يتمثل في أن العقل الذي يسعى إلى ترجيح سيناريو بعينه لا يعمل في فراغ، ولا يواجه نظاماً جامداً من العلاقات، وإنما يواجه عقلاً آخر يسعى هو أيضاً إلى إبداع سيناريوهاته الخاصة، وإلى إحباط ما يتصور أن خصمه يخطط لتحقيقه.
وبذلك لا تعود المواجهة مجرد اختبار لقدرة كل لاعب على التفكير، وإنما تصبح اختباراً لقدرة كل منهما على التفكير في تفكير الآخر، واستشراف ما قد يترتب على هذا التفكير من قرارات مضادة.
وهذا المستوى من التعامل المعرفي هو ما يجعل الشطرنج رياضة استراتيجية بامتياز؛ إذ لا يكفي اللاعب أن يكون قادراً على وضع خطة محكمة، ما لم يكن قادراً كذلك على مراجعتها وتعديلها، وربما التخلي عنها، كلما استجد ما يجعل الاستمرار في العمل بموجبها ضرباً من المكابرة العقلية.
ولعلنا هنا نلامس واحدة من أهم الفضائل المعرفية التي يمكن للشطرنج أن يسهم في تنميتها، وهي القدرة على التمييز بين التمسك بالخطة بوصفه انضباطاً استراتيجياً، والتمسك بها بوصفه عجزاً عن مراجعة الافتراضات التي قامت عليها.
فالعقل الذي يعجز عن التخلي عن تصور ثبت له قصوره، لا يختلف كثيراً عن لاعب شطرنج يصر على تنفيذ نقلات سبق له أن خطط لها، حتى بعدما تغيرت أوضاع الرقعة على نحو يجعل تلك النقلات أقرب إلى أسباب الهزيمة منها إلى وسائل الانتصار.
وليس من قبيل المصادفة، والحال هذه، أن تتأسس الممارسة المتقدمة للشطرنج على الدراسة والتحليل والتدريب المتواصل، وأن تتبلور عبر تاريخها منظومات معرفية متخصصة في الافتتاحيات، وبناء المواقع، والتكتيك، والاستراتيجية، ونهايات المواجهات.
فكل واحدة من هذه المنظومات لا تمثل مجرد مجموعة من الحيل التي يتعلمها اللاعب حتى يتمكن من التغلب على خصمه، وإنما تمثل جانباً من جوانب ذلك التنظيم المعرفي الذي يقتضي من العقل أن يتعامل مع المشكلة وفقاً لطبيعتها، وأن يختار من الأدوات ما يتناسب مع مقتضيات حلها.
ومن هنا فإن المهارة في الشطرنج لا يمكن اختزالها في القدرة على حفظ النقلات، أو استرجاع الأنماط التي سبق للاعب أن تعرف إليها، على الرغم من الدلالة التي تنطوي عليها الذاكرة والخبرة المتراكمة. ذلك أن اللاعب المتمكن هو الذي يستطيع أن يوظف معرفته السابقة في مواجهة أوضاع جديدة، وأن يميز بين ما يصلح من تلك المعرفة للتطبيق، وما ينبغي تجاوزه حين تفرض عليه الوقائع المستجدة إعادة النظر في تصوراته.
وهذا ما يحيلنا إلى مسألة فلسفية ومعرفية لا تقل قيمة عن سابقتها، تتعلق بالعلاقة بين التمثل والواقع.
فلاعب الشطرنج إنما يتعامل مع الرقعة من خلال تمثلات عقلية لما يراه قائماً عليها، ولما يتوقع أن يطرأ على أوضاعها من تغيرات. غير أن هذه التمثلات، مهما بلغت دقتها، لا ينبغي أن تتحول في وعيه إلى بديل عن الواقع الذي يفترض بها أن تعينه على فهمه.
فقد يتصور اللاعب أن نقلة بعينها ستقوده إلى التفوق، ثم يتبين له، بعد تدبر أعمق، أن تصوره أغفل احتمالاً كان من شأنه أن يقلب موازين المواجهة رأساً على عقب.
وهنا تتجلى القيمة الاستراتيجية للمراجعة النقدية للتمثلات، لا بوصفها إجراءً ثانوياً يلجأ إليه العقل بعد وقوع الخطأ، وإنما بوصفها جزءاً أصيلاً من آلية التفكير الاستراتيجي ذاته.
وإذا كان هذا هو شأن الشطرنج، فكيف يسوغ لنا أن نختزله في مجرد لعبة للتسلية، متجاهلين ما ينطوي عليه من تحديات معرفية تستدعي تشغيل قدرات عقلية متعددة في وقت واحد، ومن ثم العمل على التنسيق بينها وصولاً إلى اتخاذ القرار الذي ترجح كفته على سائر القرارات الممكنة؟
ولقد أضاف ظهور الحواسيب القادرة على ممارسة الشطرنج، ثم تطور محركاته وصولاً إلى الأنظمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، بعداً جديداً لهذه المسألة. إذ أصبح الشطرنج ميداناً لاختبار أساليب البحث والتقييم والتعلم واتخاذ القرار، ومجالاً للمقارنة بين طرائق مختلفة في معالجة المشكلات الاستراتيجية.
غير أن ما ينبغي ألا يغيب عن بالنا هنا هو أن تفوق الأنظمة الحاسوبية في الشطرنج لا يقتضي بالضرورة أن تكون قد بلغت من الفهم الإنساني العام ما يجعلها قادرة على مواجهة سائر مشكلات الحياة بالكيفية ذاتها. فالتفوق في مجال محدد لا يكفي وحده للبرهنة على امتلاك ذكاء شامل يتجاوز حدود ذلك المجال.
وهذا التمييز هو ذاته ما ينبغي أن يحكم حديثنا عن أثر الشطرنج في العقل البشري.
فليس بوسعنا أن نجزم بأن كل من يمارس الشطرنج سيغدو، بالضرورة، أكثر عقلانية في سائر شؤون حياته، أو أقدر على اتخاذ القرارات الصائبة في كل ما يعترض سبيله من مشكلات. غير أن هذا لا ينفي ما يتيحه الشطرنج من فرص لممارسة التفكير الاستراتيجي، والانضباط المعرفي، واختبار الفرضيات، ومراجعة الأخطاء، والتدرب على المفاضلة بين البدائل.
فالانتقال من إتقان مهارة في الشطرنج إلى توظيفها في الحياة ليس نتيجة تلقائية، وإنما هو إمكانية تتوقف على قدرة الإنسان على إدراك المبادئ المعرفية التي تحكم تلك المهارة، ثم إعادة توظيفها في سياقات تختلف عن السياق الذي اكتسبها فيه.
ولعل هذا ما ينبغي أن يجعلنا نعيد النظر في مفهوم الرياضة ذاته، وألا نحصره في الأنشطة التي تتطلب جهداً عضلياً أو حركة جسدية ظاهرة. فالرياضة، في أحد معانيها الأوسع، تدريب منظم لقدرات الإنسان، يخضع لقواعد، ويتطلب ممارسة متكررة، ويستهدف الارتقاء بالأداء وصولاً إلى مستويات متقدمة من الإتقان.
وبهذا المعنى، فإن الشطرنج رياضة للعقل، لا لأن ممارسته تستغني عن الجسد، وإنما لأن التحدي الأساسي الذي ينطوي عليه يتوجه إلى القدرات المعرفية للإنسان، ويستدعي منه أن يعمل على تطويرها وفقاً لمقتضيات نظام استراتيجي شديد الانضباط.
ولعل المفارقة التي تستحق منا مزيداً من التدبر تتمثل في أن الشطرنج، على الرغم من انطلاقه من عدد محدود من القطع وقواعد محددة للحركة، يفتح أمام العقل فضاءً بالغ الاتساع من الإمكانات والاحتمالات، حتى ليجد الإنسان نفسه أمام عالم تتجاوز تعقيداته ما توحي به بساطة مكوناته الأولى.
وهذه المفارقة ليست بعيدة عما نواجهه في واقعنا الإنساني؛ إذ كثيراً ما تنشأ أعقد المشكلات من تفاعل عناصر محدودة، لا تكمن صعوبة التعامل معها في كثرتها، وإنما في تشابك العلاقات القائمة بينها، وفي صعوبة استشراف ما يمكن أن يترتب على تغيير أحدها من آثار في سائرها.
إن الشطرنج، بهذا المعنى، ليس مجرد مواجهة بين لاعبين، وإنما هو مواجهة بين العقل وحدود قدرته على استشراف الممكن، والتمييز بين ما يمكن تصوره وما يمكن تحقيقه.
وإذا كان لنا أن نخلص من هذا التدبر إلى نتيجة، فإنها تتمثل في أن الشطرنج يستحق أن يُنظر إليه بوصفه رياضة فكرية استراتيجية، لا أن يُختزل في كونه وسيلة للتسلية وتمضية الوقت.
فليس ما يجعل الشطرنج رياضة هو أن أحد المتنافسين ينتصر فيه ويُهزم الآخر، وإنما ما يقتضيه من تدريب للعقل على إحكام التعامل مع الاحتمالات، وإبداع البدائل، ومراجعة الفرضيات، وترجيح القرارات وفقاً لما تتيحه المعطيات من أسباب.
ولعل أعظم ما يمكن أن يتعلمه الإنسان من الشطرنج ليس كيف ينتصر على خصمه، وإنما كيف ينتصر على ذلك الميل الكامن في عقله إلى الاطمئنان لأول تصور يخطر له، وإلى التمسك بما سبق أن اعتقد بصوابه، حتى بعدما تتكشف له الأسباب التي تستدعي مراجعته.
فحين يتعلم الإنسان أن النقلة التي تبدو له صائبة ليست بالضرورة النقلة الأمثل، يكون قد بدأ يتعلم درساً يتجاوز حدود رقعة الشطرنج إلى رحابة الحياة الإنسانية ذاتها.
ذلك أن العقل لا يرتقي بمجرد قدرته على إبداع السيناريوهات الممكنة، وإنما يرتقي، من باب أولى، بقدرته على التمييز بينها، وترجيح ما هو أقرب إلى الصواب والتحقق.
