الإنسان التائه

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما

 hesitationان أهم ما يُميِّز الحيوان انضباطه التام بتنفيذ الأوامر والتعليمات والتوجيهات الصادرة اليه من قيادته؛ تلك القيادة التي يعجز عن ان يستقلَّ عنها فيكون له وجود غير معتمدٍ عليها في كل صغيرة وكبيرة من تفاصيل حياته. وهذا الانقياد الأعمى من قِبَل الحيوان لما يصدر اليه عن قيادته هو ما يجعل منه لا يُخطئ التصرُّف مادام الواقع الخارجي لا يختلف كثيراً عن النسخة التي تم اعداد برنامج الأفعال وردود الأفعال نسبةً اليها. فالإنسان الذي خلقه اللهُ في أحسن تقويم لم يكن ليُوكَل أمر قيادته إلى مخلوق مثله، لذا فلقد تولّى الله مباشرة مهمّة قيادته وجعل منه على صلة واعية به قائداً له وآمراً! لقد تحرَّر الإنسان من واجب اتِّباع الطبيعة لأنه لم يَعُد حيواناً كما كان أسلافه! ان آدم بصلته الواعية بالله أصبح مخلوقاً بايولوجياً فريداً؛ اذ لم يسبق لأيِّ حيوانٍ ان كان على هكذا صلة بالله طالما لم يكن بمقدوره غير ان يكون على صلة وصل واتّصال غير واعٍ ببرنامج الطبيعة داخل دماغه. لقد كان آدم بحق خلقاً متميزاً عن مَن سبقه وكيف لا وهو الآن لا يتَّبع أحداً إلا الله مباشرة دونما وساطة من حجاب الأسباب؟ فالحيوان والنبات كلاهما يتَّبع الله بصورةٍ غير مباشرة طوعاً لا كرهاً. إن”لا اله إلا الله” قانون يلتزم به حرفياً كلُّ خلْق الله من غيرما وعي منهم إلا مَن اَسقط الله عنه حجابه وتجلّى له من وراء حجاب أسبابه فرآه على حقيقته اِلهاً لكل شيء! ان صلة الوصل والاتّصال الجديدة هذه كفلت لآدمَ ان يكون على وعي بصلته بالله قائداً له ومُسيِّراً. إلا أن آدمَ لم يكن في انقياده لله كالحيوان في انقياده لبرنامج الله الطبيعي داخل دماغه. فآدمُ كان جديدَ عهدٍ بهكذا صلة على خِلاف الحيوان الذي استقر على صلته ببرنامج ربّه داخلاً منه عبر ملايين من السنين كفلت لتصرُّفاته وعلاقاته مع العالم الخارجي من حوله ان تكون مُنضبطةً بقانون الله في الطبيعة انضباط خلايا جسمه واعضائه بهذا القانون كما يتجلّى (هذا الانضباط) في النظام الرائع البديع الذي يسير وفقاً له جسمه وظائفاً داخلية وفعاليات. فلقد كان آدم حراً في علاقته بالله قادراً على نسيان أوامره! وهذا ما لا يستطيعه الحيوان. فالحيوان ليس مُخيَّراً بل هو مُسيَّر لا يملك أن يكون حراً في علاقته ببرنامج الله داخل دماغه! ان الحيوان اذ يتجلّى له اللهُ من وراء حجاب الأسباب لا يملك غير ان تكون علاقته بالله علاقة غير مباشرة وذلك عبر وساطة القوانين الإلهية التي بثَّها الله في الطبيعة وألزمه بالانضباط التام بها انصياعاً لها وحُسن اطاعة. أما آدم فلقد تجّلى له الله بلا حجابٍ من أسباب ممّا جعل بامكانه ان تكون علاقته بالله علاقةً مباشرة مُمثَّلة بصلته الواعية به؛ وصلاً واتّصالاً؛ اِرسالاً واستقبالاً إلا من بين أهم سِمات العلاقة المباشرة بالله ان يكون المُتعلِّق ذا إرادةٍ حرة يفعل بها ما يريد بلا قَسر او جبر بل عن اقتناع واطاعة واعية مبصرة. إلا أن آدم كان حديث عهد بهكذا علاقة ممّا جعل منه عديم العزم على عدم نسيان الأمر الإلهي القاضي بأن لا يأكل من تلك الشجرة وان لا يسمع لغير الله وان لا يتَّبع خطوات الشيطان! تدبّر الآية الكريمة (وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) [طه: 115].

لقد نجم عن تلك الحرية، التي أنعم بها اللهُ على آدم، ليكون متحرِّراً في علاقته به حراً من كل قيد خلا اطاعته عن اختيار وارادة ورغبة، ان اُخرج من الجنة واُهبطَ الأرض مقطوع الصلة بربِّه. إلا أن الله لم يكن ليترك آدمَ على ما هو عليه من بعد ان استدرك خطأه وعاد نادماً تائباً إلى ربِّه راجياً الصفح والغفران. فلقد تاب الله على آدم وأعاد صلة وصْله واتِّصاله به إلى ما كانت عليه قبل الأكل من الشجرة وذلك من بعد ان عانى آدم شقاءً لم يعهده من قبلُ بفقدانه الصلة بقيادته وتخبُّطه في ظلمات البعد والنأي عن الله قائده الوحيد. إلا أن بني آدم ورثوا عن أبيهم ما كان قد نجم جرّاء أكله من تلك الشجرة من فقدان صلة الوصل والاتّصال هذه بالله! فأصبح الإنسان من بعدها في ضَلال مبين بغيابه عن قيادته وانقطاع صلة وصْله واتّصاله بقائده. لذا فاننا ننظر إلى الإنسان فنراه حائراً تائهاً لا يدري ماذا يفعل ولا يفعل إلا ما هو كفيل بجعله دوماً يعض أيادي الندم. وكيف لا وهو لم يَعُد حيواناً تُملي عليه الطبيعة ماذا يتوجَّب عليه ان يفعل ولا يفعل؟! لقد أصبح الإنسان ابناً للطبيعة ضالاً شارداً تائهاً لا يستقر له قرار. فالإنسان لم يُخلَق ليكون له قائد غير الله! فكيف يريد الإنسان أن يهنأ له عيش وهو مقطوع الصلة بقائده الوحيد؟! من هنا جاء الدين عن الله بقانون “لا اِله إلا الله” الذي يمثِّل للإنسان برنامجه الخَلقي الذي خُلق بموجبه مُنقاداً إلى قائده الوحيد. ولهذا لم تكن دعوة كل رسل الله إلا عودة بالناس إلى الله ليتسنّى لهم الخلاص من ظلمات فقدان صلة الوصل والاتصال بالله إلى نور الانقياد لله. فالله لم يخلق الإنسان ليجعل مَن سواه قائداً له ينقاد اليه! فكيف يطمح هذا الإنسان أن يكون سعيداً في هذه الدنيا وهو بعيد عن قائده؟! انظر إلى الحيوان تراه يرفل في سعادة الانقياد لبرنامج الله في الطبيعة داخلاً منه ثم انظر إلى الإنسان تراه شقياً بلا قائد تائهاً دونما قيادة حائراً من غير انقياد! إن أهم ما يُميِّز الإنسان هو تشوُّقه للقائد وبحثه عنه حوالَيه في كل ما ينظر اليه ويراه! وهذا سر شقاء الإنسانية التي عذَّبها هذا التيه عن القائد الحقيقي وأشقاها هذا الاتباع لغير الله قائدها الحق.

أضف تعليق