بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يؤاخذني كثيرٌ ممن لفَّ لفَّ الملالي على هذا الذي يرونه غلواً مني في إلحاحي على التذكير بما أزعم أنه ماضٍ حيواني للنوع الإنساني. والأمر ليس كما يتوهَّم هؤلاء. فما أنا في وارد مناكفتهم حتى أُلحَّ وأشدِّدَ على أن للإنسان ماضياً حيوانياً ينبغي أخذُهُ بنظر الاعتبار. إن النظرةَ الحسيرة إلى الشيء هي التي تجعلك تراهُ كياناً مستقلاً في المكان والزمان. وبذلك فلن يكون بمقدورك أن تقع على ما كان بوسعك أن تقعَ عليه من الحقائق لو أنك نظرتَ إلى الشيء وتفحَّصتَ تصيُّرَه الزماني، الذي لولاه ما كان ليصبح هذا الذي هو عليه، وتمعَّنتَ في ترابطاته المكانية، التي ليس بوسعه أن يعدَمَها، مع ما يتواجد معه في بيئته ومحيطه. وهكذا فإنك إن نظرتَ إلى الإنسان دون أن تتفحَّص ماضيه الحيواني، فلن يكون عندها بمقدورك أن تفقه الكثير جداً من غوامض مشكلته التي ليس له أن يتواجد في هذه الحياة الدنيا دون أن يكون ملتاثاً بها.
والآن، لنعد إلى موضوع هذا المنشور. فواحدنا يتوهَّم، مادام هو إنساناً لا يمكن له أن يعيش دون أن يقتاتَ على الأوهام، غذائه المفضَّل، أنه ذو إرادةٍ تشاءُ له أن يفعل هذا أو ذاك، وأن هذا الفعل لا يمكن له أن يجيء إلا محضَ إرادته؛ أي أنه ليس هناك من إرادةٍ سابقةٍ لإرادته هو جعلته يتوهم أنه صاحبُ هذه الإرادة. وهذا ما بإمكانك أن تتبيَّنه في موضوع الزواج ولماذا كان علينا أن نتزوج. فالواحد منا إذ يتوهَّم أنه قد وقع في الحب، فإنه قد فاته أن يتذكر أن إرادته التي تدفع به إلى تتويج هذا الذي يتوهمه حباً بالزواج، هي ليست كما يتوهم. فليس هو الذي أراد، ولكنه النوع الذي سبق فصمَّم برنامجاً قديماً دخل حيِّز التطبيق منذ ملايين السنين، وذلك استجابةً منه لأوامر الطبيعة التي ما كان لها إلا أن تأتي الله تعالى طائعةً مذعنةً لأمره بأن تعملَ كل ما في وسعها لتحقيق وإنجاز الغزو البايولوجي لكوكبنا هذا. وهذا كلُّه ترسَّخ في جيناتنا البشرية برنامجاً إلهياً لا محيص لنا ولا مناص من أن نتقيَّد بتنفيذه بحذافيره رغم أنوفنا. وبعد هذا يتوهم المحب أنه وقع في الحب، وأن الزواج هو مشروعٌ عليه أن يكلِّل هذا الحب؟!
إن الدافع الذي به نندفع إلى الزواج عتيقٌ قديمٌ قِدَم أصلنا الحيواني. وهذا ينبغي أن لا يغيبَ عن بالنا ونحن نعملُ جاهدين على أن يكونَ الزواجُ النهايةَ السعيدة لما نتوهم أنه الحب الذي فيه وقعنا. فلستَ أنتَ، بل هو النوع، من شرَعَ هذا المشروع ودفعَ بك إلى أن تجعلَه محورَ حياتك التي ستنقلب رأساً على عقِب إن أنتَ لم تبذل كل ما من شأنه أن يجعل هذا المشروع واقعاً متجسداً. وهنا، وقبل أن أختم، أرى أنني مُلزَمٌ بأن أُنوِّهَ فأقول إن حرصنا على أن نتزوج ليس له أن يُصيِّر حياتَنا جحيماً إن نحن لم يُكتب لنا أن تتكلل مساعينا بالنجاح. تذكر على الدوام أنك غير مطالَب بأن تتزوج، وأن هذا الذي يطالبك بالزواج هو ماضيك الحيواني الذي ليس له عليك من سلطان إلا بما تمكِّنه أنت منك، وأنك لم يخلقك الله تعالى ليكون جل ما ينبغي عليك أن تعمل جاهداً لتحقيقه هو تحقيق ما سبق وأن أراده لك النوع منذ أن شرعَ يخطو خطواته الأولى على سطح هذا الكوكب قبل ملايين السنين! تذكَّر أننا خُلقنا إنساً لا لشيء إلا لنعبده تعالى، وأن خِلقتَنا الجديدة هذه كان لها أن تنحرف عن المسار الصيروري للطبيعة، وبالمعنى الذي يكون به واحدنا بمقدوره أن يقول “لا” للنوع، و”لا” للطبيعة، و”لا” للبرنامج التصميمي الذي خُلقَت لتنفيذه، مادام الإنسانُ قد زوَّده الله تعالى ببرنامجٍ تسيَّد فتفوَّق مهيمناً على البرنامج الأصلي للطبيعة. تذكَّر أنك خُلقتَ لتكون عبداً لله تعالى، حراً فلا سيادةَ لأحدٍ آخر عليك حتى وإن كان هذا هو ماضيك الحيواني الضارب بالقِدَم ملايين السنين.
