بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يعجز هذا الواقع عن أن يكون بمستطاعه أن يرفدك بما هو كفيل بجعلك تفقه علةَ المشكلة الإنسانية التي لا يعجز في الوقت عينه عن أن يزوِّدك بتجلياتٍ لها كثيرة أنى جُلتَ فيه. فهذا الواقع لا قدرةَ له على أن يحدد العلة التي كانت من وراء كل ما أحدثه فيه الإنسان من فسادٍ وإفساد تجلى في القتل والتدمير اللذين تمخضت عنهما حروبه التي لا يكف عن شنها على أخيه الإنسان. وهذا الواقع، المُلتاث بهذا الإنسان، لا يمكن أن يكون إلا المجال الذي يستعرض فيه هذا الإنسان جنونه وخباله وما انطوى عليه من شذوذٍ عن الطبيعة وتناشزٍ معها، وهي الأم التي كان قد انحدر منها. فعجيبٌ أن يكون الإنسان ذا ماضٍ طبيعي تحدَّر منه، وأن يكون واقعه الحالي لا صلةَ له بماضيه هذا بمقدورها أن تعين على التعليل لما أصبح عليه بشذوذه وتناشزه هذين. وهذا ما يوجب علينا أن نلتمس واقعاً آخر وزمان آخر ليكون بمقدورنا أن نقع على هذا التعليل لمشكلته الإنسانية بالرجوع إليهما.
ونحن مهما بحثنا عن هذين الواقع والزمان الآخرَين، فلن نستطيع أن نعثر عليهما على كوكبنا الأرضي هذا مادام تناشز الإنسان مع أمه الطبيعة وشذوذه عنها ليس لأي واقعٍ وزمان أرضيين أن يكونا العلة من ورائهما. وإن نحن توجهنا إلى القرآن العظيم استيئاساً من محاولاتنا هذه غير المجدية على الإطلاق، فلنا أن نقع فيه على ما هي العلة وراء لاطبيعية الإنسان هذه المتجلية شذوذاً عن الطبيعة وتناشزاً معها. وهذه العلة هي تلك الأكلة التي عادت على أبوينا آدم وحواء بما جعل منهما يُخرجان من الجنة ويُهبط بهما إلى الأرض، لتكون هذه الأرض الواقع الذي سيشهد من أفعال ذريتهما ما يشهدُ لما كان لتلك الأكلة الخبيثة من عظيم تأثير.
والعجيب أن شجرةً أخرى، غير تلك التي أكل منها أبوانا آدم وحواء، كان لها أن تشهد ما بمستطاعه أن يُذهب بآثار تلك الأكلة الخبيثة من بعد آلاف السنين على ترسُّخ آثارها الكارثية في جيناتنا البشرية. وتلك الشجرة المباركة كانت قد شهدت بيعة الرضوان التي عاهد فيها المسلمون حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم على السير على طريق الله تعالى منضبطين بضوابطه الإلهية التي وحدها بمقدورها أن تجعلهم قادرين على الخلاص من آثار تلك الأكلة إن هم صدقوا الله ما عاهدوه عليه.
