بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
تدبَّر الآيات الكريمة التالية: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِين. فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّين. فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُون. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِين) (75-79 الأنعام).

يستند كثيرٌ من رجال الدين إلى هذه الآيات الكريمة للتدليل على أن الإنسان قد قاده تفكيرُه العقلاني إلى اكتشاف أن له إلهاً هو الله تعالى! فسيدنا إبراهيم عليه السلام وجد أنه من المنطقي أن يُعرض عن الكوكب إلى القمر ومنه إلى الشمس ومنه إلى الله تعالى، مادام القمر أكبر من الكوكب، والشمس أكبر من القمر، والله تعالى أكبر من الشمس. وهكذا توصَّل سيدنا إبراهيم عليه السلام، وفقما يزعم هؤلاء، إلى الله تعالى، ليكون أول إنسان استطاع أن يكتشف أن له رباً هو الله تعالى، بإعمال الفكر، وبالاستناد إلى لا شيء أكثر من المنطق! وهذا الاستنتاج الخاطئ لا يمكن القبول به، طالما أنه قد استند إلى افتراضٍ مفاده أن سيدنا إبراهيم عليه السلام لم يكن يعلم أن له رباً هو الله تعالى.
إن قوم إبراهيم عليه السلام كانوا يعلمون أن هناك إلهاً هو الله، غير أنهم كانوا يعبدون معه تعالى آلهةً أخرى جسَّدوها أصناماً وأوثاناً. وسيدنا إبراهيم عليه السلام كان مشغول البال على الدوام بهذا الإله الذي لم يكن هناك من تمثالٍ يجسِّده وثناً وصنما، فكان أن شرع في التفكير بما يمكن أن يكون عليه هذا الإله. فلذلك أخذ سيدنا إبراهيم عليه السلام يطابق بين هذا الإله والكوكب تارة، وبينه وبين القمر تارةً أخرى، وبينه وبين الشمس خاتمة المطاف. وهنا حدثت القفزة التطورية التي جعلت من سيدنا إبراهيم عليه السلام يُدرك في لحظةٍ واحدة أن هذا الإله لا يمكن أن يكون متجسداً في أي كيانٍ أو كينونةٍ من موجدات هذا الكون، وأنه إلهٌ سامٍ متعالٍ مفارق لا يمكن على الإطلاق أن يُجسَّد فيُجرَّد من هذا السمو والتعالي والمفارقة عن كل ما هو مادي متجسِّد مصوَّر.
لقد كان اللهُ تعالى معروفاً لدى قوم سيدنا إبراهيم عليه السلام، فلم يكن هناك من داعٍ لاكتشاف من هو موجود أصلاً، إلا أن ما يُحسب لسيدنا إبراهيم عليه السلام أنه تمكن بتفكيرٍ عقلاني صرف، وبحسبةٍ منطقيةٍ خالصة، من أن يتثبَّت ويستيقن من أن لا حاجةَ هناك ليكون الله تعالى ذا كينونةٍ ماديةٍ ملموسةٍ محسوسة كيما يكون الإله المعبود.
ونحن نعيشُ زمان العلم هذا، فإن ما تسنى لسيدنا إبراهيم عليه السلام أن يقوم به، إذ توصَّل إلى اكتشاف أن لا حاجة هناك ليكون الله تعالى متجسداً في صورة مخلوقٍ من مخلوقاته، ينبغي أن يكون نبراساً لنا نهتدي به فيكون الله تعالى عندنا هو الإله الأعظم الأكبر، مادام هذا العلم قد أبان عن حقيقةِ هذا الوجود وأبعاده الشاسعة التي توجب علينا أن نقول ما قاله سيدنا إبراهيم عليه السلام من قبل: “الله أكبر”. فإذا كان اللهُ تعالى أكبر من الشمس التي لم يعرف سيدنا إبراهيم عليه السلام جرماً سماوياً أكبر منها، فإن الله تعالى أكبر من كل النجوم والمجرات ومن كل موجودات هذا الوجود.
إن تصوُّرنا للإله المعبود ينبغي أن يجعلنا نقارن بين هذا التصور وتصورات الآخرين، وبذلك سيتسنى لنا أن نستيقن أن هذا الإله الذي نعبد هو بحق الإله الذي يتوجب علينا أن نعبده، مادام هو الإله الذي تبيَّن لنا أنه أكبر من أي تصوّرٍ له يقول به الآخرون. فاللهُ تعالى الذي عرَّفنا به قرآنه العظيم هو أكبر من السموات والأرض، وهو بذلك ليس كإله الآخرين الذي تصوَّروه مقيماً في هذه السموات، مادام اللهُ تعالى هو الإله الذي إذ يتواجد داخل السموات والأرض فإنه موجودٌ خارجهما في الوقت ذاته.
