بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يُجمع المتصوفة على أن الإنسان نفسٌ أكثر منه بدناً. ولذلك تراهم يسارعون إلى فعل كل ما هو كفيلٌ بمحاربتها مجاهدةً لها وتطويعاً لما جُبلت عليه، حتى تصير مأمورةً غير آمرة. وهذا ليس بالأمر اليسير مادامت هذه النفس قد مَكَّن لها منا هذا الذي نحن عليه من حالٍ بائس مع الله، كما يُجلِّيه سوءُ ظننا به تعالى، وكما يتجلى في إعراضنا عن كل ما أمرنا به قرآنه العظيم من وجوب التحلِّي بطيِّب القول وصالح العمل حتى يكون للواحد منا ما يُمكِّنه من التصدِّي لهذه النفس عصياناً لما تأمر به مما لا يعود علينا إلا خسراناً مبيناً في هذه الحياة الدنيا وفي الآخرة.
والنفسُ هي النفس مهما اختلف بنو آدم في العرق والجنس والثقافة، ومهما تمايزوا به فقراً وغنى. فكلنا هو هذه النفس إذا ما مكنَّا لها منا ولم نعص لها أمراً. وكل ما يفترق عليه البشر ليس بمفرِّقهم حقاً وحقيقةً مادام ما يوحِّدهم هو هذه النفس الأبية الحرون، والتي ما جاء الدينُ من عند الله تعالى إلا رحمةً لنا حتى يكون بمقدورنا أن نستعين بنوره عليها فنخمد من نارها ما استطعنا بهذا الذي تيسَّر لنا أن نأخذه منه. فبمقدار ما تأخذ من الدين امتثالاً وانضباطاً والتزاماً، تُمكَّن من نفسك نسبةً وتناسباً. وليس هناك من سبيل آخر لتنجو من نفسك المتربِّصة بك مهما ظننتَ أنه قادرٌ على ذلك من علمٍ تتعلَّمه أو عملٍ تعمله. وحده هذا الدين، الذي رحمنا اللهُ تعالى به، قادرٌ على تمكينك من نفسك حتى يكون بمقدورك لا أن تنجو منها فحسب، ولكن أن تُصيِّر أيضاً ما هي عليه من نار نوراً تستضيء به من بعد ملحمةٍ من المجاهدات ليس بقادرٍ على أن يخوضها إلا من كان صادقاً في عزمه على أن يكون ما لا تريد له نفسه أن يكون. فنفسك لا تريد لك إلا أن تكون عبدها وأسيرها فلا يكون بذلك بمقدورك أن تتمايز عن غيرك ممن هو أسير نفسه وعبدها. وما ذلك إلا لأننا كلنا جميعاً قد ابتُلينا بنفسٍ لا تمايُزَ يجعل واحدنا غير الآخر مادام ما فيه من هذه النفس هو عين ما في الآخر. وكلُّ محاولةٍ منك لتتمايز عن غيرك مجاهدةً لهذه النفس سيُشخَّص من قِبلها على أنها حربٌ على كل تواجدٍ لها أينما حلَّت بدناً. وهذه علَّة ما تستشعره داخلك من مقاومةً وممانعة وتثبيط عزيمة وتشكيك إذا ما أنت شرعتَ بأن تأخذ من الدين ما تستعين به عليها. فالنفسُ لا تريد لك أن تفلت من أسرها فتصبح بذلك آسرها.
والآن، إذا ما أنت أردتَ أن تُجيب على سؤال هذا المنشور “هل أنت نفسك؟”، فما عساك أن تجيب؟ أنت نفسك ما طاوعتها وما امتثلتَ لأمرها وما تماهيتَ مع كلِّ تجلٍّ من تجلياتها في أبدان غيرك من بني جلدتك من البشر. وأنت نفسك ما قعدتَ عن مجاهدتها مستمتعاً بعبوديتك لها غير آبه بما ستعود هذه به عليك من سوء العاقبة دنيا وآخرة. وأنت لستَ نفسك ما علمتَ أنها عدوُّك الأول والأخير، وما جعلك هذا العلمُ تتخذها لك عدوة مادامت هي عدوتك خِلقةً وجِبلة.
إن من أراد أن يتميَّز عن نفسه فلا سبيل إلا طريق الله يسلكه منضبطاً بمحدِّداته الإلهية التي ما شرعها تعالى إلا ليكون بمقدورنا أن نتحرَّر من نفوسنا لنرقى إليه، وإلا فالواحد منا سيبقى أسير هذه النفس التي لن تقوده إلا إلى جهنم مادامت النارُ لا تنجذب إلا إلى النار.
