متى ستبكي لله؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

عين بكت من خشية اللهيتميز الإنسان عن باقي المخلوقات البايولوجية برهافة الحس منه طالما كان الأمر يتعلق بنفسه التي هو على استعداد على الدوام ليبكي إشفاقاً على ما فاتها من حظوظ هذه الدنيا وأهلها! والحيوان، بالمقابل، قانع برزقه طالما لم يكن ذا نفسٍ لا تشبع. ولذلك فلن تجد حيواناً يبكي حظه العاثر ويشكو دهره كما يفعل الإنسان الذي تأبى نفسه إلا أن تجعله يعاف القناعة ظناً منه وتوهماً أنها كلمةٌ جوفاء خاليةٌ من أي معنى! والإنسان شكَّاء بكَّاء طالما لم تجرِ الرياح بما تشتهي السَّفَن. والسَّفَن هذه يُعرِّفها هواه كما يشاء ويشتهي؛ فتارةً هي المرأة التي لم يحظ بها، وأخرى هي المال الذي لم يقع عليه، وما إلى ذلك مما تشتهيه الأنفس من متاع هذه الحياة الدنيا الزائل بزوالها المحتوم بقدوم يوم القيامة.

ويوم القيامة هذا هو الذي يجعل طائفةً أخرى من بني آدم مشغولين بما جنته أيديهم خوفاً من حسابٍ عسير قادمٍ لا محالة. وهؤلاء هذا هو همُّهم، وهم بذلك غير من تعرف من الذين أهمَّتهم أنفسهم فنغَّصت عليهم عيشهم وأبكتهم حزناً على ما فاتهم من دنيا لو أنهم صدَّقوا أنها بيد الله تعالى حق التصديق لطلبوها منه لا من غيره فكانت لتجيئهم طائعةً مطيعة. والخائفون من يوم القيامة يبكون ما هم عليه من حال مع الله ينظرون إليه فلا يرون إلا تقصيرهم في حقه تعالى. فأين هذا من بكاء المشفق على نفسه حزناً على ما فاته من دنياه؟ فشتَّان ما بين من يبكي خوفاً من أن تفوته جنة الآخرة، وبين من يبكي حزناً على ما فاته من هذه الدنيا. لنتدبر الآيات الكريمة التالية: (قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا. وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا. وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) (107-109 الإسراء).

وهؤلاء ذاتهم هم من ذكرتهم سورة المائدة (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ(84)فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِين (85)).

وهؤلاء “تشابهت قلوبهم” مع من امتدحتهم سورة التوبة (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ(92)).

وبذلك يتبيَّن لك ما ينبغي عليك أن تتحلى به وما يتوجب عليك أن تتخلى عنه حتى تحظى بقلبٍ يتشابه مع قلوب من أحبهم الله فأحبوه فاستحقوا أن يذكرهم في قرآنه العظيم بجميل صفاتٍ أوجزتها الآية الكريمة 58 من سورة مريم (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا).

أضف تعليق