بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يذهب القائلون بما يسمى بـ “الإعجاز العلمي” في تفسير آيات القرآن العظيم مذهباً يخالفون به عن منطق الأمور وعن الحقيقة التي نأى بهم عنها إصرارُهم على تغليب “إيديولوجيا الإعجاز” المزعوم هذا على تدبُّر آيات القرآن العظيم. فتدبُّر القرآن العظيم يتطلب قراءة آياته الكريمة دون أية “إسقاطات إيديولوجية” تجنح بمعنى النص القرآني بعيداً في فضاءات الافتراض والتنظير! فلنتدبر مثالاً على ذلك الآية الكريمة 125 من سورة الأنعام (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ). فالقائلون بما يسمى “الإعجاز العلمي للقرآن” يرون في ضيق الصدر المصاحب للتصعُّد في السماء دليلاً على سبقٍ علمي للقرآن العظيم؛ إذ كيف تسنى للقرآن العظيم أن يقول بهذا الذي لم يتأتَ لنا أن نعرفه إلا من بعد أن أُتيح للعلم أن يتثبَّت من ألا وجود لغاز الأوكسجين خارج الغلاف الجوي لكوكب الأرض؟! ولقد فات هؤلاء “الآيديولوجيين” أن الأمر لا علاقة له من قريبٍ أو بعيد بالفضاء الخارجي، وأن الآية الكريمة تحدثت عن أمر كانت العرب تعرفه يقيناً، إذ كان معروفاً لديهم أن المرء إذا ما شرع في التصعُّد في السماء، وذلك بصعوده الجبل، فإنه يضيق صدره كلما اقترب من قمته، وهذا أمرٌ كانت العرب قد جرَّبته وخبرته.
ولستُ أدري كيف فات هؤلاء القائلين بما يسمى بالإعجاز العلمي أن القرآن العظيم ما كان له أن يحاجج القوم بمفردةٍ ما كان لهم بها علمٌ فيقيم عليهم الحجة وهم لا يدرون عن أي شيء يتحدث؟! فالقرآن العظيم لم يكن يتحدث عن الفضاء الخارجي وعن انعدام تواجد غاز الأوكسجين فيه حتى يكون لنا أن نعجب كيف تسنى له أن يقول بما لم يتأتَّ للإنسان أن يعرفه إلا بعد مجيء عصر العلم! فالتصعُّد في السماء هو لا أكثر من صعود الجبل والذي يجعل من المرء يُخيَّل إليه أنه يصعد في السماء مبتعداً عن الأرض! وهذا كل ما في الأمر.
إذاً يتبيَّن لنا مما سبق أن تدبُّر القرآن العظيم يستدعي ضرورة ألا نقول في آياته الكريمة ما نظن أنه سيجعل منها ذات “إعجاز” يفرض على متدبِّرها وجوب الإقرار بإلهيتها ما لم يكن هذا الإعجاز قائماً على أساسٍ لا علاقة له بالافتراض والتنظير.
