أحوالنا الجوية مضطربةٌ اضطرابَ نفوسِنا

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

من الملوم على ما آلت إليه أمور كوكبنا من احتباسٍ حراري وتغيُّر مناخي وتلوث بيئي؟ إن أنت ألقيتَ باللائمة على الطبيعة فقد جانبتَ الصواب، وذلك لأن الله تعالى خلق الطبيعة موزونةً منضبطة فلا قدرةَ لها على أن تشذ عن قوانينه الإلهية حتى يكون لها أن يصدر عنها كل هذه الاختلالات التي أصبحنا نراها حوالينا براً وبحراً وجواً. فإذا لم تكن الطبيعة هي من ينبغي أن تُلام على ما نحن عليه من تضرُّرٍ بيئي، فهل تكون قد جانبتَ الصواب إن أنت ألقيتَ باللائمة على الإنسان؟ فكل ما حولنا يشي بما جنته يد هذا الإنسان على الطبيعة. وها نحن ذا ندفع الثمن ونعجب لماذا أصبح ماء السماء إما شحيحاً فلا يكاد يروي ضمئاً، أو غزيراً وإلى الحد الذي يجعله أقرب إلى ما يشبه الطوفان!

إن واقع حال ماء السماء يضطرنا إلى وجوب الإقرار بأن الإنسان قد أصبح حالُه مع الله تعالى بعيداً كل البعد عن الاتصاف بما ينبغي أن يكون عليه حال العبد مع مولاه. فالله تعالى أخبرنا في قرآنه العظيم بأنه هو من يتحكم بماء السماء، فإن شاء حبسه وإن شاء أرسله. كما وأخبرنا اللهُ تعالى بأنه لا يُنزِل الماء من السماء إلا بقدر معلوم، وبمقدارٍ محسوب، فلا نقصان هناك ولا طغيان. فلماذا إذاً أصبحنا نعاني من نقصان ماء السماء تارة، ومن طغيانه تارةً أخرى؟ لنستذكر بعضاً من آيات القرآن العظيم التي يؤكِّد تذكُّرها أن ما نحن فيه من حالٍ بائسٍ مع ماء السماء لا يمكن أن يكون إلا بسببٍ مما نحن عليه من سيء حال مع الله تعالى.

بدايةً لابد من أن نستذكر ما جاءنا به القرآن العظيم من آياتٍ كريمة بيَّنت لنا أن الله تعالى هو الذي يُمدُّنا بماء السماء المبارك الطهور: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ) (من 22 الحجر)، (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا) (من 9 ق)، (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا. لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا) (48 -49 الفرقان)، (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ) (13 غافر).

فماء السماء هذا يُنزله اللهُ تعالى بقدرٍ موزون دون زيادةٍ أو نقصان. وهذا ما بمقدورنا أن نتبيَّنه بتدبُّرنا الآيات الكريمة التالية:

(وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ) (من 11 الزخرف)، (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ) (من 18 المؤمنون)، (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) (21 الحجر)، (وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ) (من 27 الشورى)، (وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ) (من 8 الرعد)، (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا) (من 17 الرعد)، (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا) (من 38 الأحزاب)، (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) (من 3 الطلاق)، (فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ) (23 المرسلات)، (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (49 القمر)، (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُون) (19 الحجر).

فلماذا إذاً حادت الطبيعة عن مسارها “الطبيعي”، ولماذا إذاً أصبح ماء السماء شحيحاً مُهلكاً حيناً، وغزيراً مُغرقاً أحايين أخرى؟! ألا يذكِّرنا هذا بما جرَّه قومُ سيدنا نوح عليه السلام على أنفسهم بما كانوا عليه من سيء حالٍ مع الله تعالى؟! (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ. وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ) (11 -12 القمر). فماء السماء مقدورٌ بقدّر، وموزونٌ بمقدار، فلا ينبغي والحالُ هذه أن تُفتَح أبوابُ السماء بماءٍ منهمر يُغرِق الأرضَ نباتاً وحيواناً وبشراً! إذاً فالعلة فينا وليست في الطبيعة التي خُلِقت منضبطةً متَّزنةً موزونة. وحده الإنسان هو من يخالف عن أوامر الله تعالى ويشذ عن قوانينه الإلهية فيجر عليه هذا وذاك من المصائب والويلات ما هو جزاءٌ وفاق لما جنته يداه.

إن ما أصبحنا نشهده من اضطراباتٍ “قدَرية” في أجوائنا ما هو إلا مرآةٌ لما يعتلج داخل نفوسنا من اضطرابات جراء نأينا وابتعادنا عن الله تعالى. فالطبيعة خلقها اللهُ تعالى ممتلئة بآياته الدالة عليه، فإن نحن كنا على وفاقٍ مع قانونه الإلهي، أجزلت لنا العطاء، وإن نحن حُدنا عنه حرمتنا صفاءها وسكينتها وتسلَّطت علينا بكل هذا الذي أصبحنا نلاحظه في برِّها وبحرها وسمائها من اضطراباتٍ تسببت بها يد الإنسان. فإذا ما نحن أردنا أن نكون على وفاقٍ مع الطبيعة، فلا نُحرَم خيرَها ولا تتسلط علينا بجبروتِها، فما علينا إلا أن نعبد الله تعالى كما تعبده هذه الطبيعة طائعةً مطيعة.

أضف تعليق