“فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً”

تخفق المقاربة التقليدية لكثير من آيات القرآن العظيم في الوقوع على ما انطوت عليه هذه الآيات الكريمة من معانٍ وحقائق وأسرار، وذلك لأنها لم تقرأها بتدبُّرٍ يتطلب من هذه المقاربة التأني والتمهُّل والتروِّي قبل أن يُصار إلى إطلاق التعميمات الجائرة والأحكام التي لا تتفق مع السياق القرآني الذي لو أنها تقيَّدت بما يقضي به ويحكم لما جاءت مقاربتها هذه بعيدةً كل البعد عن المعنى الذي يُبيِّنه التدبُّر الصحيح للمبنى القرآني.

وفي هذا المنشور سوف أتحدث عن إخفاقٍ من إخفاقات المقاربة التقليدية لآي القرآن العظيم لازمنا عقوداً عديدة. فلقد خرجت علينا هذه المقاربة بتأويلٍ للآية الكريمة 3 من سورة النساء (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا). وبمقتضى هذا التأويل فإننا مطالَبون بأن نكتفي بواحدةٍ من النساء إن نحن خفنا ألا نعدل بينهن زوجاتٍ عدة! وهذا أبعد ما يكون عن “المعنى السياقي” للجملة القرآنية الكريمة التي لو أن المقاربة التقليدية حظت بالتوفيق الإلهي لتبيَّن لأصحابها أن المقصود هو الخوف ألا نعدل بين اليتامى وليس بين الزوجات! ولقد كان بوسع أصحاب المقاربة التقليدية بلوغ هذا المعنى بكل يُسر لو أنهم لم يسارعوا إلى الظن بأن المقصود هو الزوجات وليس اليتامى، وذلك بأن يستذكروا مطلع هذه الآية الكريمة، والذي يبيِّن تدبُّره أن الله تعالى وجَّه بضرورة القسط في اليتامى وليس في الزوجات!

لقد جرَّم الله تعالى الاعتداء الجائر على أموال اليتامى وجعل عقوبةَ هذا العدوان الظالم سعير الآخرة (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) (10 النساء). وهذا ما كان ينبغي على أصحاب المقاربة التقليدية أن يستذكروه وهم يقرأون آية (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً)، وذلك حتى لا يقعوا في المحظور فيظنوا غير الحق ويخرجوا علينا بالتالي بما يجعلنا نتوهم اليتامى زوجات!

أضف تعليق