
للكلمة القرآنية الكريمة أن تتجلى بمعانٍ يحدِّدها السياق الذي ترد فيه. ومن ذلك أن تجيء كلمة “السماء” بمعنى “جنة الآخرة”. وهذا ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّرنا الآية الكريمة 40 الأعراف (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ). فأبواب السماء في هذه الآية الكريمة هي أبواب جنة الآخرة التي جاءتنا سورة الزمر بخبرها في الآية الكريمة 73 منها (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ).
وأبواب السماء هذه، إذ هي أبواب جنة الآخرة، هي ليست أبواب السماء التي تذكرها الآية الكريمة 19 النبأ (وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا). فأبواب السماء في هذه الآية الكريمة هي ليست أبواب جنة الآخرة ولكنها طرق العروج في السماء يوم القيامة.
والسماء ترد في القرآن العظيم أيضاً بمعنى “الجنة الفضائية” التي هي أرضٌ أخرى من أرضين الله السبع التي لم نكن لنعرف بوجودها لولا ما جاءتنا به سورة الطلاق من خبرها (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا). وهذا ما بمقدورنا أن نتبيَّنه بتدبُّرنا الآية الكريمة 112 من سورة المائدة (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ). فالحواريون كانوا قد سألوا سيدنا عيسى بن مريم عليه السلام أن ينزِّل عليهم مائدة من الجنة التي هي جنة العرش التي فيها سدرة المنتهى، والتي هي جنة السماء السابعة التي جاءتنا سورة النجم بخبرها فذكرتها على أنها “جنة المأوى” (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى(13)عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى(14)عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى).
وبذلك يتبيَّن لنا من جديد أن الإصرار على أن الكلمة القرآنية الكريمة لها معنى مستقل عن السياق الذي ترد فيه ينأى بنا بعيداً عن معناها الذي انطوت عليه، وبذلك سيكون من المستحيل علينا أن نقع على هذا المعنى.
