
يبيِّن تدبُّر سورة يوسف ما بالإمكان وصفه بأنه “من لطائف صُنع يد الله”. فما تبدو للناظر المتعجِّل غير المتروّي أنها أحداثٌ أسبابها تنتمي لظاهر هذه الحياة الدنيا، هي في واقع الحال أحداثٌ من صنع الله تعالى، وذلك بتدخل إلهي مباشر من لدنه. وهذا التدخل الإلهي اللطيف هو ما تَبيَّن لسيدنا يوسف عليه السلام، وذلك إثر قيامه باسترجاع ما حدث له من أحداثٍ ما كان لها أن تحدث لولا لطف الله تعالى (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (100 يوسف). فهذا اللطف الإلهي قد تجلى أيما تجلٍّ في سورة يوسف، والتي يتبيَّن لمتدبر آياتها الكريمة ما حدث جراء تدخل الله تعالى بشكل مباشر في حياة آل يعقوب عليهم السلام. ومن ذلك أن الله تعالى تدخَّل تدخلاً مباشراً فجعل سيدنا يعقوب عليه السلام يُفضِّل سيدنا يوسف عليه السلام على أخوته. وهذا التفضيل لم يكن لسببٍ من الأسباب التي بوسعنا أن نعزوها إلى ما هو ذو صلةٍ بظاهر هذه الحياة الدنيا. فهذا التفضيل لم يكن إلا استجابةً غير واعيةٍ من جانب سيدنا يعقوب عليه السلام لأمرٍ من الله تعالى لطيفٍ خفي.
ومن لطائف صنع يد الله تعالى التي بوسع متدبِّر سورة يوسف أن يتبيَّنها هو ما كان عليه سيدنا يوسف عليه السلام من جمال فتَّانٍ أخَّاذ؛ فهذا الجمال لم يكن مسبَّباً بأسباب هذه الحياة الدنيا ولكنه كان جمالاً ألقاه الله تعالى على سيدنا يوسف عليه السلام من لدنه وذلك حتى تقع إمرأة العزيز في حبه فيكون القوم ملزَمين بأن يسجنونه حتى حين. وهذا الجمال الذي ألقاه الله تعالى على سيدنا يوسف عليه السلام ما كان له أن يلازمه من بعد ما تحقق المراد فأُدخِل سيدنا يوسف السجن ليكون له مع صاحبَيه فيه ما سيجعل منه عليه السلام يصل إلى حكم مصر، والتي كانت أعظم امبراطورية في ذلك الزمان!
وقد يظن البعض أن في هذا الذي أقول به من تدخُّل الله تعالى المباشر في أحداث قصة سيدنا يوسف عليه السلام مبالغة ومغالاة لا دليل عليهما. ولهؤلاء أتوجه بآيات كريمة من سورة يوسف يتبيَّن لمتدبرها أن الله تعالى قد نصَّ صراحةً على أنه قد قام بهذا التدخل المباشر وذلك عندما كادَ لسيدنا يوسف عليه السلام فحقق له مراده فأبقى أخاه (فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ(70)قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ(71)قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ(72)قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ(73)قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ(74)قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ).
