
ما الذي يتبيَّن لنا بتدبُّرنا الآيات الكريمة التي ورد فيها ذكر المودة من أمر هذه المودة التي فصَّلتها هذه الآيات الكريمة؟
بدايةً لنستعرض كل ما جاء بشأن المودة في القرآن العظيم: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (7 الممتحنة)، (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ) (من 82 المائدة)، (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (21 الروم)، (وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا) (73 النساء)، (وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) (25 العنكبوت)، (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) (من 23 الشورى)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) (1 الممتحنة).
يتبيَّن لنا بتدبُّر آيات المودة في القرآن العظيم أنه لا يُشترط أن تكون المودة بين المؤمنين حصراً ووجوباً، وأن بالإمكان أن تنشأ هذه المودة بين من هم ليسوا على دين واحد. فالمودة وفقاً للقرآن العظيم حالٌ من التناغم في المشاعر ينشأ بين البشر. وهذا الحال إما أن يكون ناشئاً وفقاً لأسبابٍ تنتمي لعالمنا هذا، وإما أن تكون بتدخُّلٍ إلهي من لدن الله تعالى. ويخطئ كل من يظن ألا مودةَ هناك بالإمكان أن تنشأ بين المؤمنين ومن يخالفهم في المذهب والمعتقد! فآياتُ القرآن العظيم واضحةُ الدلالة على أن المودة لها أن تنشأ، بصورة طبيعية أو بتدخلٍ إلهي مباشر، بين المتعادين فتنشأ هذه المودة ليصبح من كانوا بالأمس أعداء متوادين دون أن يكون ضرورياً اتِّباعهم ذات الدين. وهذا الذي يتبيَّن لكل مَن يتدبَّر ما جاء بشأن المودة في القرآن العظيم لَيدحض ويفنّد دعاوى وأقاويل المتزمتين والمتطرفين الذين يظنون ألا مودة هناك لها أن تنشأ بين من هم على دين الإسلام وغيرهم ممن هم ليسوا مسلمين!
