
يُخطئ عقلُنا إذ يظنُّ ويتوهم أن هذا الكون تُحرِّكُه قوانينُ العلمِ الوضعي فحسب! فالعقلُ البشري لا يُدرك أن هذه القوانين سبق وأن سلَّطها اللهُ تعالى على الكون ليستقيم بها أمرُه، وأنها ليست كلَّ ما هنالك من قوانين! فإذا كان العقلُ البشري قد “اهتدى” إلى طائفةٍ من قوانين الله تعالى فظنَّ أنها قوانينُ العلم الوضعي التي نجح هذا العلمُ في الوقوع عليها، فإن طائفةً أكبر من قوانين اللهِ تعالى قد غُيِّبت عنه وحيل بينه وبين أن “يهتديَ” إليها! ولذلك فليس من “العلم” في شيء أن يُسارع العقل البشري إلى الجزم والقطع باستحالةِ حدوثِ أمرٍ ما لمجرد أنه يُخالف واحداً أو أكثر من تلك الطائفة من قوانين الوجود التي “اهتدى” هذا العقل إليها!
فالله تعالى سبَّب للغالبيةِ العظمى من أحداثِ هذا الوجود بأسبابٍ خُيِّل إلى العقل البشري أنها قوانين العلم الوضعي التي “اهتدى” إليها! ومن ذلك تلك الطائفةُ من الأسباب التي يتحقَّق بها للإنسان أن يغتذيَ ويرتوي. إلا أن أسباب الاغتذاء والارتواء هذه هي ليست “كل ما هنالك”! فلقد كشف لنا القرآنُ العظيم عن “تغذيةٍ إلهية” و”إرواءٍ رباني” تُحارُ في التسبيبِ لهما العقولُ! لنتدبر الآية الكريمة (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (160 الأعراف). فمتدبِّر هذه الآية الكريمة لن يستعصيَ عليه أن يتبيَّن فيها أن اللهَ قادرٌ على أن “يُروي” و”يُغذِّي” دونما وساطةٍ من أسباب العلم الوضعي! فالماء، الذي انبجس بضربةٍ من عصا سيدنا موسى عليه السلام اثنتَي عشرةَ عيناً، هو “إرواء رباني” غيرُ مُسبَّبٍ بأية أسبابٍ من تلك التي لا يعرفُ غيرَها العلمُ البشري! كما أن المنَّ والسلوى “تغذيةٌ إلهية” غيرُ مُسبَّبةٍ بأيٍّ من تلك الأسباب التي لا يعرفُ غيرَها العلمُ البشري!
