
انتهيتُ في المنشور السابق إلى تفنيد الاعتقاد الذي سادَ فينا وراج، والذي مفادُه أن هذا الكون تُسيِّره قوانين لا قدرةَ له على المخالفةِ عن أمرها! فالقائلون بهذا قد فاتهم أن اللهَ تعالى هو الذي سبق وأن خلق هذه الأسباب وسلَّطها على الكون ليستقيمَ بها أمرُه، وأنه هو القادرُ أنى يشاء على أن يتدخل تدخلاً مباشراً فيُسلِّط ما يشاء من قوانين يعطِّلَ بها ما يشاء من قوانين الكون هذه ويأتي بما يشاء من قوانين أخرى جديدة!
ولقد جاءنا القرآنُ العظيم بما يُفيد بأن اللهَ تعالى قادرٌ على أن يُغيِّر الأقدار بتدخلٍ مباشرٍ من لدنه قدرتَه على أن يُحجِم عن هكذا تدخل (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) (39 الرعد). صحيحٌ أن أقلامَ الأقدار قد رُفِعَت وأن صحف الأقدار قد جفَّت، إلا أن لله تعالى أن يتدخَّل تدخلاً مباشراً فيغيِّر ما شاءَ من هذه الأقدار وفقما تشاءُ إرادته وتقتضيه مشيئته. ولذلك كان للمواظبة على فعل الخيرات ما له من قدرةٍ على تغيير الأقدار. فيكفينا أن نستذكر نصائحَ سيدِنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم لأمته المحمدية بوجوب ملازمة الدعاء وبالإكثار من الصدقات حتى يُردَّ القضاء ويُغيَّر القدر.
وهذا هو عينُ ما بإمكاننا أن نستوثق منه بتدبُّرنا ما جاءنا به قرآن الله العظيم من آياتٍ كريمة يتبين لمتدبرها هذا الذي بمقدور كلٍّ من الإحسان وإتقان العبادات والمواظبةِ عليها ليلَ نهار أن يتسبب به من تغييرٍ للأقدار التي سبق وأن خطَّتها يدُ القدرةِ الإلهية وجعلت تحقُّقها منوطاً بالإنسان الذي إن صدقَ ما عاهدَ اللهَ عليه، كان حقيقاً على اللهِ أن يتدخلَ تدخلاً مباشراً فيمحو ما سبق وأن خطَّته يدُ قدرته ويكتبَ له قدراً جديداً مغايراً للقدَر الأزلي بالتمام والكلية! فيكفينا أن نستذكر ما قاله قرآنُ الله العظيم في حقِّ سيدِنا ذي النون يونس عليه السلام (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ. لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (143 -144 الصافات).
