
تحدثتُ في منشورٍ سابق عنوانه “الدماغ الكئيب” عن ذلك “التمايز الوظيفي” القائم بين دماغ الإنسان وعقله، والذي يُحتِّمُ وجوبَ ألا يكونَ بمقدورِهما أن يتحدَّثا اللغةَ ذاتَها خطاباً وتفاهماً.
ولم يكن لدينِ اللهِ تعالى، والإنسانُ هذا هو حالهُ مشتتاً بين عقلٍ ودماغ عاجزَين عن التواصلِ بينهما، أن يتوجَّه بخطابِه الإلهي إلى أحدهما دون الآخر. ولذلك جاء دينُ اللهِ تعالى ليخاطبَ كلاً من عقل الإنسانِ ودماغهِ بلغته التي يفقهُها فكان أن توجَّهَ إلى عقلِ الإنسان بـ “خطابٍ دعَوي -إرشادي” قائمٍ على أساسٍ من الحكمةِ البالغة والحجة القويمة، في الوقت الذي توجَّه فيه إلى دماغه بـ “خطابٍ تعبُّدي” قوامُهُ عباداتٌ، التي وإن بدت غيرَ معقولةٍ لعقلِهِ، فإنها مع ذلك تمثِّلُ لدماغِهِ كلَّ ما يحتاجُ إليه ليشفى من شقائهِ الآدمي وليرقى بها إلى ما يُمكِّنُه من أن يصبح الإنسانَ الكاملَ الذي خُلِقَ مؤهلاً ليكونه.
فالعبادات، التي جاءَ الإنسانَ بها دينُ اللهِ تعالى، لا تخاطبُ عقلَ الإنسانِ ولكنها تخاطبُ دماغه! ولذلك كان فلاحُ الإنسان هو بهذا “الإذعانِ العقلي” من جانبِهِ لما جاءَه به دينُ اللهِ تعالى من خطابٍ دعوي-إرشادي، وبهذا “الامتثال الدماغي” لما تضمَّنه هذا الدين من خطابٍ تعبُّدي يتوجَّب عليه أن يُذعنَ له تمامَ الإذعان.
