في معنى “يَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ”

لماذا وصفَ اللهُ تعالى الذين كفروا فقال بأنهم “يأكلون كما تأكل الأنعام” (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) (من 12 محمد)؟

يُعينُ على تلمُّسِ إجابةٍ على هذا السؤال أن نستذكرَ ما استفاضَ فيه قرآنُ الله العظيم من نعتٍ وتوصيفٍ للذين كفروا، وذلك بدلالةٍ من هوَسِهم بهذه الحياة الدنيا وانشغالِهم وافتتانهم بها: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ. أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (7 -8 يونس)، (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِين) (107 النحل)، (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (15 -16 هود).

إذاً فالذين كفروا يأكلون كما تأكلُ الأنعامُ التي لا يخطر لها على بال أنها عما قريب ستؤخذ لتُذبَح، فهم يأكلون ولا يدرون أنهم بهذا الكفرِ منهم إنما يسيرون على طريقٍ سوف ينتهي بهم لا محالة إلى النار ليُخلَّدوا فيها أبداً.

وإذا كان الذين كفروا كما تقولُ لنا سورة محمد “يأكلونَ كما تأكلُ الأنعام”، فإن سورة الفرقان تُذكِّرنا بأنهم أضلُّ من الأنعام سبيلاً (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) (44 الفرقان). وما ذلك إلا لأن من الأنعامِ ما يستشعرُ قربَ ودنوَ ساعة ذبحه فترتعدُ منه الفرائصُ وتبلغُ القلوبُ الحناجر. فيا لهول هذه المقارنة -المفارقة! ويا لبؤس الإنسان الذي يأكلُ كما تأكلُ الأنعام وهو لا يدري بأن هذا الذي هو عليه من سيء حالٍ مع اللهِ تعالى سيُفضي به إلى الخلودِ في نارِ جهنم وبئسَ المصير!

أضف تعليق