تدبُّر القرآن تقيُّداً بما يُحدِّدُه نصُّه الكريم دون إضافةٍ أو تنقيص

يفرِضُ النصُّ القرآنيُّ سطوتَه على كلِّ مَن يتدبَّرُه فلا يُمكِّنُ عقلَه من أن يتعاملَ معه وفقاً لما دأبَ عليه في تعامُلِه مع غيرِه من النصوص إضافةً إليه من عندياتِه، أو تنقيصاً من مفرداتِ هذا النَّص الكريم.
فالنَّصُ القرآني الكريم لن يُبيحَ لك بمكنونِاته، ولا بما انطوى عليه من معنى، إن أنتَ قرأتَه بتبعيضٍ تجتزيءُ بمقتضاهُ ما تظنُّ أنَّه كافٍ حتى يكونَ لك أن تقولَ فيه ما تظنُّ أنَّه ما انطوى عليه من معنى. فلقد حبا اللهُ تعالى قرآنَه العظيم بنصوصٍ تتمايزُ عن نصوصِ بني آدم بهذا الذي يجعلُ من مفرداتِها تتكاملُ فيما بينها تكاملاً لا سبيلَ إلى الإحاطةِ به دون أن تأخذه بـ “كُلِّيتِه” ومن غير أي اجتزاءٍ لجزءٍ منه أو تبعيضٍ.
ومما زادَ الطينَ بِلَّةً أنَّ كثيراً ممن يقرأون القرآنَ العظيم دون تدبر لا يكتفون بهذا “التنقيص”، تجزأةً لنصِّهِ الكريم وتبعيضاً، بل يذهبون بعيداً في سوءِ التعامل مع آياتِه الكريمة، وإلى الحد الذي يجعلُهم لا يتورَّعون عن إضافةِ ما يفترضون أنَّه لن يَضيرَهم في شيء طالما كان في ذلك ما يجعلُ من “معنى” هذه الآيةِ الكريمة أو تلك يتجلى أكثرَ وضوحاً وأبلغَ بياناً!
وفي هذا المنشورِ سوف أكتفي بإيرادِ مثالٍ واحدٍ على ما لسوءِ التعامل هذا مع القرآنِ العظيم من قدرةٍ على أخذِنا بعيداً جداً عن الإحاطةِ بالمعنى الذي ينطوي عليه النصُّ القرآني الذي نبتغي تبيُّنَ معناه. لنتدبَّر ما جاءتنا به سورةُ البقرة في الآية الكريمة 255 منها (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ). ينطوي هذا النَّصُّ القرآني الكريم على ثلاثة مقاطع هي: “مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ”، و”يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ”، و”وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاء”. فإن أنتَ أردتَ أن تتبيَّنَ معنى المقطع الثالث، فلن تُمكَّن من ذلك إلا إذا ما تدبَّرتَه آخذاً بنظرِ الاعتبار المقطعَين اللذين يسبقانه، وإلا فإنك إن اكتفيتَ به دون هذين المقطعين، فسوف ينتهي بك الأمرُ لا محالة إلى الوقوعِ على غيرِ المعنى الذي ينطوي عليه!
فاللهُ تعالى يتحدَّثُ في هذا النَّص القرآني الكريم عن الملائكةِ تحديداً، وذلك كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ المقطع الأول “مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ”. ولذلك فإن أنت لم تأخذ هذا المقطع بنظر الاعتبار، فسوف تخلصُ إلى أنَّ المقطع الثالث “وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاء” هو قانونٌ عامٌ بحقِّ كلِّ خلقِ الله! وهذا هو أبعدُ ما يكون عن مُراد هذا النص القرآني الكريم الذي جاءتنا به سورةُ البقرة في آيتِها الكريمة 255.

أضف تعليق