في معنى قوله تعالى “أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ”

مَن هو هذا الذي أشارت إليه الآيةُ الكريمة 23 من سورة الجاثية (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ)؟
قد يسارعُ البعضُ إلى القول بـأنَّ “الملحدين” هم مَن أشارت إليهم هذه الآيةُ الكريمة. وهذا ظنٌّ لا يقومُ عليه برهانٌ من القرآنِ العظيم الذي كفلَ اللهُ تعالى لمن يتدبَّرُه أن يتبيَّنَ أنَّ اتِّخاذَ المرءِ إلهَهُ هواه هو لا أكثرَ من أن يتَّبِعَ هواه. واتِّباعُ الهوى لا يستوجبُ ضرورةَ أن يكونَ المرءُ مُلحِداً لا يُقِرُّ بأنَّ اللهَ تعالى موجود! وهذه حقيقةٌ من حقائقِ القرآنِ العظيم بوسعِ كلِّ مَن يتدبَّرُ ما جاءَ فيه من آياتٍ كريمةٍ ذاتِ صلة أن يتبيَّنَها واضحةً جلية. فاتِّباعُ الهوى هو من الآفاتِ التي قد تُخالِطُ إيمانَ المرءِ إن هو لم يبادر إلى الكفِّ عنه وذلك باتِّباعِ هَديِ اللهِ تعالى.
ولقد حذَّرَ اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم الذين آمنوا من مغبَّةِ أن يتَّبِعوا الهوى (وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) (من 26 ص)، (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (40- 41 النازعات)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (135 النساء).
يتبيَّنُ لنا إذاً بتدبُّرِ ما تقدَّم أنَّ اتِّخاذَ المرءِ إلهَهُ هواه لا يلزمُ عنه وجوبَ أن يكونَ مُلحِداً بالله غيرَ مُقرٍّ بوجودِه تعالى، وأنَّ المرءَ قد يتَّخذُ إلهَهُ هواه، فيتَّبعُ هواهُ، وهو يظنُّ أنَّه من أشدِّ الناسِ إيماناً بالله!

أضف تعليق