الزلزالُ والاستزلالُ في قرآنِ اللهِ العظيم

يظنُّ كثيرٌ منا أنَّ الإيمانَ باللهِ تعالى أمرٌ يسير! ولو كان الأمرُ كما نخالُ ونحسب لَما قالَ اللهُ تعالى في قومٍ غرَّهم باللهِ الغَرور: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (14 الحجرات).
فحتى يُزحزَحَ المرءُ عن جهنمَ ويُدخَلَ الجنة، لابد له وأن يُزلزَلَ ويُستزَل. فاللهُ تعالى يُزلزِلُ الذين آمنوا “زلزالاً” حتى يَميزَ خبيثَهم من طيِّبِهم: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) (من 179 آل عمران). فزلزالُ اللهِ تعالى للذين آمنوا حقيقةٌ من حقائقِ الإيمان: (هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا) (11 الأحزاب).
وهذا الزلزالُ هو فتنةٌ من اللهِ تعالى لابد وأن يتعرَّضَ لها كلُّ مَن قالَ أسلمتُ للهِ وآمنتُ بالله: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (214 البقرة).
غيرَ أنَّ هذا “الزلزالَ الإلهي” للذين آمنوا، تمييزاً لقلوبِهم وتمحيصاً، هو ليس كلَّ ما يتوجَّبُ عليهم أن يتعرَّضوا له من فتنةٍ واختبارٍ وابتلاء. فاللهُ تعالى أجازَ الشيطانَ بأن يستزِلَّ الذين آمنوا “استزلالاً” لن ينجوَ منه إلا مَن سبقت لهم من اللهِ تعالى الحسنى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (155 آل عمران).
فما بين مطرقةِ “زلزالِ الرحمن” وسندانِ “استزلالِ الشيطان” يحيا العبدُ هذه الحياةَ الدنيا وكلُّه أملٌ ورجاءٌ من اللهِ ألا تزلَّ منه القدَمُ فيزيغَ القلبُ منه فلا يكونَ بعدها أهلاً لأن يُنجِّيَهُ اللهُ ويتوبَ عليه إذا ما استزلَّهُ إبليسُ لعنه الله.

أضف تعليق