
نقرأُ في سورةِ التوبة، وفي الآيةِ الكريمة 113 منها، قَولَ اللهِ تعالى: (وما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ). فما هو معنى “مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ”؟
يُعينُ على تبيُّنِ هذا المعنى أن نتدبَّرَ الآياتِ الكريمةَ التالية:
1- (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) (من 109 البقرة).
2- (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ) (25 محمد).
3- (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ) (32 محمد).
4- (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (115 النساء).
5- (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (من 256 البقرة).
6- (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) (من 187 البقرة).
7- (وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ) (45 إبراهيم).
8- (وما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (114 التوبة).
يكفلُ لنا تدبُّر هذه الآياتِ الكريمة أن نخلصَ إلى نتيجةٍ مفادُها أن “التبيُّن” في القرآنِ العظيم يعني “التيقُّن من الشيء وبما لا يدعُ أيَّ مجالٍ للشكِّ فيه”. فالتبيُّنُ إذاً هو “التحقُّق من الشيء فلا يعودُ بعدها للباطلِ أن يخالطَه ولو بمثقالِ حبةٍ من خردل”. و”التبيُّن” الذي يشيرُ إليه قولُ اللهِ تعالى “مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ” هو ما تأتَّى للذين آمنوا من معاصري رسولِ اللهِ صلى اللهُ تعالى عليه وسلَّم أن يستيقنوا منه ويتحققوا بشأنِ المشركين الذين ناصبوهم العداءَ وبالغوا في معاداتِهم لهم وإلى الجدِّ الذي جعلَهم يأتمرون على العدوانِ عليهم بالحربِ. فالمشركون المحارِبون قد يئسوا من رحمةِ اللهِ الذي لم يكن ليغفرَ لهم بما جنته أيديهم أبداً. ومعلومٌ أن الخلودَ في نارِ جهنم أبدَ الآبدين هو مصيرُ كلِّ مَن حُرِمَ من مغفرةِ اللهِ ورحمتِه. فكيف يستغفرُ الذين آمنوا للمشركين بعدها ولو كانوا أُولي قربى؟!
