
يكفلُ لنا تدبُّرُ مظاهرِ العدوان في عالَمِ الإنسان، ومقارنتُها بتجلياتِ العدوانِ في عالَمِ الحيوان، أن نخلصَ إلى نتيجةٍ لا مناصَ منها. فالعدوانُ في عالَمِ الإنسان لا يمكنُ وصفُه إلا بأنه عدوانٌ غيرُ طبيعي، وذلك بما يمثِّلُه من خروجٍ على الطبيعةِ وتناشزٍ مع قوانينِها التي كفلت للحيواناتِ ألا تنقرضَ جراءَ عدوانِها الطبيعي بعضها على بعض. فالعدوانُ في عالَمِ الحيوان لا يمكنُ وصفُه إلا بأنه “عدوانٌ طبيعي ليس فيه إفسادٌ في الأرضِ أو ظلمٌ أو طغيان”؛ فالطبيعةُ لا تزالُ زاخرةً بضعيفِ الحيوانِ وقويِّه وبما كان ليجعلَ كلَّ مَن لم يكن قوياً بما فيه الكفاية يزولُ وينقرضُ فلا يبقى له من أثرٍ يُذكر. فنحن ما زلنا نشاهدُ في الطبيعةِ الأرنبَ والسنجابَ كما نشاهدُ الأسدَ والنمر. فالتزامُ الحيوانِ بهذا العدوانِ الطبيعي هو ما كفلَ له ألا ينقرضَ ويتلاشى. فكلُّ انقراضٍ شهدته الطبيعةُ كان مردَّه عواملُ أخرى غير عدوانِ الحيوان الطبيعي على غيرِه من بَني جلدتِه.
وهذا هو ليس ما عليه الحالُ في عالمِ الإنسان الذي ليس هنالك من خطرٍ يتهدده بالزوالِ والفناء إلا وكان موصولاً بذاك الذي جُبِلَ عليه الإنسانُ من عدوانٍ ظالمٍ تحتَّمَ عليه بموجبِه أن يمتازَ بهذا العدوانِ غيرِ الطبيعي الذي يتجلى في الإفسادِ في الأرض وسفكِ الدماء.
