عوالِمٌ متداخلة… سليمان وعفريتُه والذي عنده علمٌ من الكتاب

نقرأُ في سورةِ النمل، وفي الآياتِ الكريمةِ 38- 40 منها، قولَ اللهِ تعالى: (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ. قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ. قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ).
يكفلُ لنا تدبُّرُ هذه الآياتِ الكريمة أن نتبيَّنَ ملمحاً من ملامحِ هذا الوجودِ الذي يتوهَّمُ كثيرٌ منا أنَّ بإمكانِ عقولِنا أن تحيطَ به وبالقوانينِ التي تحكمُ وقائعَه وأحداثَه. وهذا الملمحُ ذو صلةٍ بالعوالِمِ التي يتشكَّلُ منها هذا الوجود. فالعالَمُ الذي قُدِّرَ للإنسانِ أن يحيطَ به، سواءٌ بحواسِّه أو بما زوَّدَه به العِلمُ التجريبي من أجهزةٍ وأدوات، محكومٌ بقوانينَ لا سلطةَ لها على غيرِه من العوالِمِ التي يتشكَّلُ منها الوجود. ولو أنَّنا أخذنا بنظرِ الاعتبار هذه الحقيقةَ لَما توهَّمنا أنَّ لقوانينِ العِلم السلطةَ المطلقةَ على كلِّ ما يحدثُ في هذا الوجود! فنظرتُنا إلى الوجودِ إذاً لا يمكنُ أن تكونَ صائبةً طالما لم نأخذ بنظرِ الاعتبار الحقيقةَ التي مفادها أنَّنا لا نملكُ ما يخوِّلنا أن نزعمَ بأنَّ العالَمَ الذي تحكمُه قوانينُنا هو الوجودُ بأسرِه!
ويكفلُ لنا تذكُّرُ عفريتِ سيدِنا سليمان أن ندركَ أنَّ العالَمَ الذي ينتمي إليه هذا الكيانُ الغامض، والذي لا يخضعُ لقوانينِ العِلم الذي قُدِّرَ لنا أن نحيطَ به، له قوانينُه التي لا نعرفُ عنها أيَّ شيء، والتي تُوجِبُ علينا أن نتواضعَ قليلاً فلا نذهبَ بعيداً في أوهامِنا وتخيلاتِنا فنزعمَ أنَّ الوجودَ هو عالَمُنا فحسب! كما ويُعينُنا تذكُّرُ ما كان بمقدورِ “الذي عنده عِلمٌ من الكتاب” أن يقومَ به على تبيُّنِ أنَّ الوجودَ تتحكمُ فيه قوانينٌ لها السيادةُ المطلقة والسلطةُ الكاملة على جميعِ العوالمِ التي يتشكَّلُ منها هذا الوجود؛ وأنَّ هذه السيادةَ، والسلطة، تضطرُّنا إلى وجوبِ الإقرارِ بأنَّ هنالك قوانينَ أخرى غيرَ قوانينِ عالَمِنا، وغيرَ قوانينِ عالَمِ الجن، يعجزُ العِلمُ الذي بين أيدينا عن معرفتِها وتبيُّنِ حقيقتِها.

أضف تعليق