
يكفلُ لنا تدبُّرُ القرآنِ العظيم أن نتبيَّنَ حقيقةً من حقائقِه التي فصَّلتها وبيَّنتها آياتُه الكريمة. ومن هذه الحقائق، أنَّ في القرآنِ كلماتٍ تتطابقُ في المعنى وإن اختلفت في المبنى. وهذه خصيصةٌ من خصائصِ النَّصِّ القرآني الذي لا ينبغي لنا أن نحكِّمَ فيه منطقَنا البشري فنحكمَ باستحالةِ خروجِ هذا النَّص الكريم عن القواعدِ التي أرسيناها وجعلناها ضوابطَ لابد وأن يتقيَّدَ بها كلُّ نصٍّ عربيِّ اللسان! ومن الكلماتِ القرآنيةِ التي تتطابقُ في المعنى، وتتباينُ في المبنى، كلمتا “العدل” و”القسط”. لنتدبَّر قولَ اللهِ تعالى في الآيتَين الكريمتَين:
1- )إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) (من 90 النحل).
2- ) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ) (من 29 الأعراف).
ويكفلُ لنا استقصاءُ الأصلِ اللغوي لهاتين الكلمتَين أن نستوثقَ من حقيقةِ كونِهما تنطويان على ذاتِ المعنى. فإذا كانت كلمةُ “عدل” هي الأصلَ اللغوي لكلمةِ “العدل”، وذلك كما سبقَ لي وأن فصَّلتُه في منشورٍ سابق، فإنَّ الأصلَ اللغوي لكلمةِ “القسط” بالإمكانِ تبيُّنُه إذا ما تذكَّرنا أنَّ كلمةَ “قِسط” قد تطورت لغوياً عن كلمةِ “قَدْ”، والتي هي بدورِها الأصلُ الذي انشعبت عنه كلمةُ “قدْر”. فكلٌّ من كلمةِ “العدل” وكلمةِ “القسط” تشتملُ على معنى يفيدُ المساواةَ والتكافؤَ والمضاهاةَ والمماثلة. ولنستذكر هنا، ونتدبر، قولَ اللهِ تعالى: “أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا” في الآيةِ الكريمة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ) (من 95 المائدة).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ المعنى الابتدائي لكلٍّ من “القِسط” و”العدل” هو التكافؤ والتساوي، وبما يُلزِمُ كلَّ مَن يبتغي إقامةَ العدلِ والقِسط أن يبتدئَ بهذا المعنى وليشرعَ بعدَها بالعملِ بما تقتضيه الحالةُ قيدَ الدرس من احتكامٍ إلى ما فصَّله وبيَّنَه شرعُ اللهِ تعالى بهذا الخصوص.
