
هل تخطئُ الطبيعة؟ ولكن أنى للطبيعةِ أن تخطئَ واللهُ قد خلقَها وخيَّرَها بين أن تأتيَه طائعةً مطيعة أو مُكرَهةً مجبرة، فاختارت الإطاعة؟ وكيف للطبيعةِ الطائعة أن تُخطئَ وهي التي قد خُلِقت مثالاً للتناغمِ والانضباطِ والاتزان؟
أسئلةٌ يجيبُنا عليها القرآنُ العظيم بحادثتين فصَّلتهما آياتُه تفصيلا: الأولى طوفانُ نوح الذي وصفه اللهُ تعالى: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ. لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) (11- 12 الحاقة). فماءُ الطوفانِ لم يطغَ من تلقاءِ نفسه، فاللهُ هو مَن أطغاه: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ. وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ) (11- 12 القمر).
أما الحادثةُ الثانية، فلم يرِد لها ذكرٌ في القرآنِ العظيم إلا مرةً واحدة، وذلك في سياقٍ ذي صلةٍ باستخلافِ اللهِ تعالى لأبي البشر آدم: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (30 البقرة). فهل كان الذين أفسدوا في الأرضِ وسفكوا الدماء إلا مخلوقات طبيعية، مبتدأ خلقِها، خلقَها اللهُ تعالى ثم أذنَ للطبيعةِ بأن تلفضَها خارجَ حدودِها، فكان أن خرجت عليها وعلى القوانينِ التي سبق وأن بثَّها اللهُ تعالى فيها؟
