كيف ينبغي لنا أن نفهمَ الاستثنائيةَ الأمريكية؟

قليلةٌ هي الأشياءُ التي يتوافقُ عليها قادةُ أمريكا الذين تتجاذبُهم أهواءُ التمايزِ الحزبي، والتناشزِ الإيديولوجي، وبما يجعلُ لما يتوافقون بشأنِه حضوراً فاعلاً في تصوراتِهم عما ينبغي أن تكونَ عليه أمريكا في عالَمٍ يرونَه مترعاً بالفرَصِ التاريخية التي لا ينبغي لأمريكا تفويتَها. ومن هذه الأشياء إجماعُ رؤساءِ أمريكا على ما يسمونه “الاستثنائية الأمريكية”؛ هذه الاستثنائيةُ التي إن كانوا قد أجمعوا عليها مصطلحاً، فإنهم قد اختلفوا بشأنِها تبياناً لها وتفسيراً. فكيف ينبغي لنا إذاً أن نفهمَ هذه الاستثنائيةَ الأمريكية؟ وهل هي حقاً خصيصةٌ من الخصائصِ التي يتمايزُ بها الأمريكيون عن غيرِهم من شعوبِ الأرضِ في كلِّ زمانٍ ومكان؟ وهل هناك من دليلٍ عِلمي على صحةِ ما يذهب إليه رؤساءُ أمريكا بهذا الشأن؟
أسئلةٌ كان يكفي العقلَ السياسي الأمريكي مشقةَ تبيُّنِ الإجابةِ عليها أن يستذكرَ الحقيقةَ التاريخيةَ التي مفادها أنَّ ما من أمةٍ مشى أفرادُها على أرضِ هذا الكوكب إلا وكانت تحسبُ أنها أعظمُ الأمم، وأذكى الأمم، وأرقى الأمم، وأجدرُ الأممِ بأن تحكمَ العالمَ بكافةِ شعوبِه! ولو أنَّ العقلَ السياسيَّ الأمريكي تجشمَ عناءَ البحثِ في هذا الذي يتمايزُ به الإنسانُ عن الحيوان من إحساسٍ مفرطٍ بالذات، وبفردانيتِها على حسابِ النوع، لتبيَّن له أنَّ القولَ بالاستثنائية ليس إلا مظهراً من مظاهرِ ما جُبِل عليه الإنسانُ من خروجٍ على الطبيعةِ التي أنجبته؛ هذا الخروجُ الذي جعلَ الإنسانَ يناصبُ نفسَه العداء مناصبتَه لبَني جِلدتِه من البشر. وهذا العداءُ لا نظيرَ له في عالَمِ الطبيعةِ التي تتناغمُ مفرداتُها كلُّها جميعاً في مشهدٍ سمفوني لا تناشزَ بين أصواتِه خفيضِها وجهيرِها. فإن كان للأمةِ الأمريكيةِ استثنائيةٌ، كما يزعم العقلُ السياسيُّ الأمريكي، فإنَّ هذه الاستثنائيةَ لا تُرَدُّ إلى ما يمتاز به الأمريكيون عن غيرِهم من شعوبِ الأرض، وإنما تعود إلى تلك الخِلقةِ الاستثنائيةِ الفريدة التي يتشاركُها كلُّ البشر غابرِهم ومعاصرِهم، أسودِهم وأبيضِهم، ذكرِهم وأنثاهم، غنيِّهم وفقيرِهم،…

أضف تعليق