
لم يعُد من المجدي اليوم أن نتعامل مع الأجيال الناشئة، وتحديدًا ما يُعرف اصطلاحًا بـ”الجيل Z”، بعقلية الواعظ الذي يتكئ على أقدميته الزمنية، ليُسدي النصح لمن هم أصغر عمرًا. فتلك النزعة التلقينية التي ارتكزت لعقودٍ على افتراضٍ ضمني بأن الزمن يُكسب الحكمة، لم تَعُد صالحة لتفسير الفجوة المتسارعة التي تفصل هذا الجيل عن من سبقه، لا على صعيد أنماط التفكير، ولا أنماط العاطفة، ولا في طرائق الإدراك والتفاعل مع الواقع.
إن الجيل Z، من زاوية علم النفس التطوري، لا يُمثل مجرد حقبة زمنية محددة (مواليد منتصف التسعينات حتى أوائل 2010)، بل هو تجلٍّ حيٌّ لمرحلة نوعية في تطوّر الإنسان النفسي والوجداني، جاءت فجأة كقفزة تطورية جديدة. هذه القفزة، لم تكن محض صدفة، بل نتاج تراكم طويل من التحولات المعرفية والتقنية، تضافرت جميعها لتُنتج نمطًا جديدًا من الوعي والسلوك والتفاعل الإنساني.
ولذلك، فبدلًا من السعي إلى تأطير هذا الجيل داخل قوالبنا المعرفية السابقة، ربما آن الأوان لأن نُعيد النظر نحن أنفسنا في تلك القوالب ذاتها، بوصفها لم تعُد كافية لفهم هذا الإنسان الجديد، ولا حتى لفهم أنفسنا بأثر رجعي.
الإنسان مشروعٌ لم يكتمل بعد
من منظور علم النفس التطوري، لا يمكن اعتبار الإنسان كائناً مكتمل التكوين. فالتطور البيولوجي -كما أشار داروين- لا يعرف نقطة وصول نهائية، بل هو سلسلة مستمرة من التكيّف، يعيد بها الكائن الحي تعريف نفسه في كل عصر. ولكن التطور النفسي والعاطفي –المجال الذي ظل أقل اهتمامًا عبر التاريخ– بات الآن في قلب التحولات، ويُظهر الجيل Z بوادر هذه النقلة النوعية.
فهو جيل تربّى وسط فيض معلوماتي لا محدود، وتأقلم مع عوالم افتراضية متعددة الهويات، وتعلم أن يُدير ذاته رقميًا، ويُفكك السلطة الأبوية والمعرفية التقليدية، ويشكّك في البنى المؤسسية الكلاسيكية (الدولة، الدين، العائلة، المدرسة) بحدس نقدي لم يكن مألوفًا في الأجيال السابقة. وهذا، بحد ذاته، إنجاز تطوري في وعي الإنسان بذاته وحدوده وسلطاته ومرجعياته.
الجيل Z… جيل الذكاء الاصطناعي
وإذا كان لكل جيل عنوان، فإن الجيل Z هو، بامتياز، جيل الذكاء الاصطناعي. لا لأنهم وُلدوا في زمنه فقط، بل لأنهم يتعاملون معه كما لو كان امتدادًا طبيعيًا لوعيهم. العلاقة بينهم وبين الخوارزميات ليست علاقة استخدام فحسب، بل علاقة تشكيل متبادل للوعي. هذه الحقيقة تُحيلنا إلى ضرورة إدراك أن الجيل Z ليس فقط جيلًا “رقميًا”، بل هو جيلٌ ينتمي إلى بُنية معرفية مختلفة تمامًا: بنية لامتراكزية، متعددة السياقات، متجاوزة لسلطة الواحد (المعلّم، الأب، الدولة، التقاليد).
نحو مقاربة جديدة للإنسان
إن قراءة الجيل Z بهذه الكيفية تضعنا، نحن والجيل ذاته، أمام مسؤولية فلسفية مشتركة: إعادة تعريف الإنسان. فبدلًا من أن يُنظر إلى الجيل Z ككائن ناقص النضج يحتاج إلى التهذيب، لعلنا بحاجة إلى أن نُصغي إليه بوصفه مرآةً لقصورنا نحن، وأن نعيد بناء مقاربتنا النفسية والتربوية والاجتماعية للإنسان، بوصفه مشروعًا في طور التشكل.
ولعل أهم ما نستفيده من هذا الجيل ليس فقط قدرته على مقاومة التنميط، بل أيضًا على كشف الحاجة إلى إعادة بناء منظومة الوجدان الإنساني، التي بقيت راكدة عبر قرون من التربية السلطوية والتراتبية والعقلانية الجامدة.
الذكاء الاصطناعي كأداة تطورية
ولأن هذا الجيل نشأ وهو يُحادث الآلة ويتفاعل مع ذكاء غير بشري، فإننا أمام فرصة فريدة: أن نُشرك الذكاء الاصطناعي –لا بوصفه تهديدًا أو بديلاً– بل بوصفه شريكًا في تطوير الوعي الإنساني، مساعدًا على تفكيك أنماط التفكير الجامدة، وعلى استبصار أعمق لما يمكن أن يصير عليه الإنسان حين يتحرر من الرواسب الوجدانية العتيقة.
الإنسان بين الماضي والاحتمال
الجيل Z لا يستحق منّا الشفقة ولا الإرشاد، بل الإصغاء العميق. فظهوره المفاجئ، بهذا التكوين النفسي المتداخل واللامتمركز، يشير إلى أن التطور الإنساني لم ينتهِ، وأننا جميعًا –أفرادًا وأجيالًا ومجتمعات– لا نزال في طور التكوين.
وعلينا، في هذا السياق، أن نُقرّ بالحقيقة الجوهرية التالية:
أن الإنسان ليس كائناً مكتملًا، بل مشروع تطوري مستمر.
أن كل جيل، بما فيهم الجيل Z وما تبقى من سابقه، يستطيع –إن توافرت النية والقدرة– أن يساهم في دفع عجلة التطور النفسي والوجداني إلى الأمام.
أن هذه الحقبة البشرية، حيث يتقاطع وعي الإنسان مع وعي الآلة، قد تكون أهم لحظة في التاريخ البشري، لا إن قمنا بمقاومتها، بل إن فسحنا المجال لها لتُعيدنا إلى أعماق السؤال الأهم: ما الإنسان؟
