
يظنُّ كثيرٌ من المشتغلين بقضايا التفسيرِ المعاصر للقرآنِ العظيم أنَّ الدعوةَ لاعتمادِ ما يُسمى بـ “تعددية الصواب” تُضفي على مقاربتِهم التفسيرية ما يجعلها أكثرَ حضوةً عند الأجيال الصاعدة، خصوصاً مع تزايدِ الدعوات للتخلِّي عن “الأحادية” أنى تجلت، وفي أيِّ سياق كان ظهورُها وحضورُها. وظنٌّ واهِمٌ كهذا، إذ ينتصرُ للفوضى الفكرية السائدة اليوم في الساحةِ المعرفية، لا يمكن على الإطلاق أن يحوزَ من المؤهلات الضرورية ما يجعلُه أهلاً لأن يتصدَّى لمهمةٍ شاقة كالوقوع على المعنى الحقيقي الذي ينطوي عليه النصُّ القرآني قيدَ الدرس.
إنَّ النصَّ القرآني، سورةً كان أم آيةً أم بضعَ آيات، لا يمكنُ له أن يشتملَ على ما يُلزِمُنا به القولُ بـ “تعدديةِ الصواب” من معانٍ قد يبلغ انعدامُ التماثلِ بينها حدَّ التعارضِ والتناقض والتضاد بالتمامِ والكلية. فكيف يستقيمُ أن يكونَ نصٌّ إلهي متناقضَ المعاني، وبكيفيةٍ تجعل المتلقِّي في حيرةٍ من أمرِه يقلِّبُ هذا الرأيَ أو ذاك وهو لا يدري أيَّ الرأيَين هو ما يتوجَّب عليه الأخذُ به والعملُ بموجبِه؟ و”تعدديةُ الصواب”، في مقابلِ أحاديتِه، تتعارضُ مع ما وردَ في القرآنِ العظيم من آياتٍ تنصُّ كلُّها جميعاً على أنَّ الحقَّ واحد والباطلَ متعدد:
1- (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ) (من 32 يونس).
2- (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ( (من 100 المائدة).
3- (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ) (من 18 الأنبياء).
4- (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون) (153 الأنعام).
وقديماً قالت العربُ “الحقُّ أبلج والباطلُ لجلج”.
فأيُّ منطقٍ في دعوةِ مفسِّري القرآن الحداثيين لاعتمادِ “تعددية الصواب”؟ وكيف يريد هؤلاء أن يؤسِّسوا لمقاربةٍ جديدة في التعامل مع النصِّ القرآني تنطلقُ من هذه “التعدديةِ الصوابية”، والقرآنُ ذاتُه يدعو إلى اتِّباعِ الحق والابتعادِ عن الباطل بتلاوينِه وتفانينِه؟
