
أنكرَ اللهُ تعالى على الذين كفروا من بَني إسرائيل إيمانَهم ببعضِ الكتاب وكفرِهم ببعض: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (من 85 البقرة). وهذا الإنكارُ ينسحبُ على كلِّ مَن حذا حذوَ الذين كفروا من بَني إسرائيل، فآمنوا ببعض ما بين أيديهم من الكتاب وكفروا ببعض. وقد يظنُّ ظانٌّ أنَّ أهلَ القرآنِ بمنأى عن أن يكونَ منهم مَن حالُه مع الله كحالِ ذلك النفرِ من بَني إسرائيل. وهذا ظنٌّ تدحضُه وتفنِّدُه آياتٌ قرآنيةٌ عدة، منها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) (2- 3 الصف).
وهذا “الإيمانُ ببعضِ القرآن والكفرُ ببعض” هو العلةُ من وراءِ شيوعِ أحكامٍ جائرةٍ يسوِّغُ لها مطلقوها بأن في القرآنِ برهانَ ما يزعمون. ومن ذلك حُكمُ البعضِ على “الأعرابِ” قاطبةً بأنهم أشدُّ الناسِ كفراً ونفاقاً، مستندين في ذلك إلى قراءةٍ مبتسرة لما جاء بشأنِ “الأعراب” في القرآنِ العظيم. صحيحٌ أنَّ اللهَ تعالى قد حملَ على بعضِ الأعرابِ بقولِه فيهم:
1- (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (97 التوبة).
2- (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ) (101 التوبة).
3- (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا( (11 الفتح).
4- (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (16 الفتح).
ولكن اللهَ تعالى قد أشادَ أيضاً بـ “أعرابٍ” آخرين امتدحهم وبيَّنَ سموَّ حالِهم معه بقولِه فيهم:
1- (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (99 التوبة).
2- (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (120- 121 التوبة).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ مثالَ “الأعراب” هو خيرُ ما بالإمكان الاستدلالُ به على بطلانِ أي حكمٍ يستندُ مطلقوه إلى بعضِ القرآن من دونِ الأخذِ بنظرِ الاعتبار ما وردَ في بعضٍ آخر منه لابد من الالتجاءِ إليه حتى يجيءَ الحكمُ النهائي في تمامِ التوافقِ والتطابق مع كاملِ النصِّ القرآني. فإن لم نفعل، أفلا نكون بذلك قد حذونا حذوَ النفرِ من أهلِ الكتاب الذين قال اللهُ فيهم: “أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ”؟
