
يتميّز الواقع المعرفي المعاصر بسيادة أنماط جديدة من إنتاج المعنى، قوامها السرعة، والتداولية، وقابلية الانتشار.
فما يُعدّ “حقيقة” في الفضاء الرقمي لا يقوم على أساسٍ معرفي أو منطقي، بل على معيارٍ تقنيّ يتمثل في مدى التفاعل الجماهيري.
وهكذا، تُقاس مصداقية الفكرة بعدد الإعجابات والمشاركات، لا بقوة برهانها أو اتساقها الداخلي.
ويطرح هذا التحوّل إشكالية إبستمولوجية عميقة مفادها: هل لا تزال الحقيقة تمتلك معنىً ثابتاً يمكن الدفاع عنه، أم أنها تحوّلت إلى ظاهرة اجتماعية قابلة للتفاوض والاختفاء مع تغيّر المزاج العام؟
تاريخ الفلسفة يكشف أنّ الحقيقة كانت دوماً مفهوماً معيارياً يُحاكم به الفكر والسلوك، لا مجرد ظاهرة سوسيولوجية.
لكن مع تصاعد تأثير وسائل الإعلام والفضاءات الرقمية، بدأ هذا المفهوم يفقد مركزيته لصالح مفاهيم بديلة مثل “الانتشار”، “الترند”، و“القابلية للتمثيل البصري”.
وبذلك تماهت الحقيقة مع ما هو مرئيّ وجذاب، وصار معيار حضورها هو قدرتها على الاستحواذ على الانتباه، لا على إنتاج المعنى.
إنّ هذا التحوّل يشير إلى علمنة جديدة للصدق، إذ لم يعد معيار الحقيقة عقلانياً أو أخلاقياً، بل خوارزمياً، تحكمه ديناميات المنصّات.
في الاقتصاد المعرفي الراهن، تُختزل الحقيقة في وظيفتها التداولية، أي في قدرتها على التحريك لا على الإقناع.
فالفكرة التي تنتشر بسرعة تكتسب شرعيتها من عدد المتلقين، لا من عمقها المنطقي.
هذه الظاهرة تعبّر عما يمكن تسميته بـ “تسليع الحقيقة”، أي إخضاعها لقوانين السوق الرمزي حيث تُستهلك كما تُستهلك السلع المادية.
وفي هذا السياق، تحلّ القيمة الاستعراضية محلّ القيمة المعرفية، ويغدو الصدق نفسه مجرّد “منتج بصري” يُستبدل بغيره في دورة استهلاك لا تنتهي.
إنها حالة من الانزلاق من الصدق إلى القبول، ومن المعنى إلى الأثر اللحظي، ومن البرهان إلى الانفعال.
لقد أدّى تلاشي المعايير الكلاسيكية للحقيقة إلى بروز نمط جديد من الخطاب يمكن وصفه بـ الصدق المزيّف؛
ذلك الذي يُتقن أصحابه فنّ الإقناع لا لأنهم يمتلكون المعرفة، بل لأنهم يحسنون توظيف خوارزميات الانتباه الجماهيري.
وهكذا تحوّل الفيلسوف والمفكر إلى مؤثّر رقمي يكيّف خطابه مع المزاج العام ليحافظ على حضوره،
بينما يتحوّل الجمهور إلى سلطة معيارية تحاكم القول بمدى تفاعله، لا بمدى صدقه.
إنها مفارقة تُعيد إنتاج الاستبداد المعرفي في صورة ديمقراطية مزيفة:
استبداد الجماهير بدل استبداد السلطة.
في مواجهة هذا الانزلاق، تدعو هذه المقالة إلى استعادة مفهوم الحقيقة كقيمة وجودية تتجاوز منطق السوق والتداول.
فالحقيقة ليست في جوهرها ظاهرة اجتماعية، بل تجربة داخلية في الوعي تُمتحن بها نزاهة الإنسان قبل أن تُقاس بأصداء الجمهور.
إن الدفاع عن الحقيقة في زمن الترند يعني الدفاع عن استقلال الفكر، وعن أحقية الإنسان في البحث عن المعنى لا عن الشهرة.
فالفكر الذي يلهث وراء الرواج لا ينتج معرفة، بل يُعيد تدوير التفاهة في قوالب جديدة.
الحقيقة، في معناها الأصيل، ليست بنت اللحظة بل شاهدة عليها.
وهي لا تُقاس بعدد من يؤمن بها، بل بقدرتها على مقاومة الزوال.
فما يزول بزوال “الترند” لم يكن يوماً حقيقة، بل صورة عنها.
ومن هنا، فإنّ السؤال “هل ستصبح الحقيقة يوماً ما ترنداً؟” ليس سؤالاً استباقياً بل تحذيرياً:
تحذير من أن تتحوّل المعرفة إلى فرجة، والفكر إلى سلعة، والصدق إلى أداءٍ جماهيريٍّ زائف.
فالحقيقة لا تُستهلك، ولا تُباع، ولا تُسوّق، لأنها ليست موضةً فكرية، بل معيار الوجود نفسه.
