
منذ أن بدأ الإنسان يتأمل ذاته بوصفها موضوعًا للفكر، نشأت الرغبة في إثبات خصوصيته عن الكائنات الأخرى. وقد تحولت هذه الرغبة عبر العصور إلى نزعة أنثروبومركزية جعلت من الإنسان مركزًا للكون وغايةً لوجوده.
غير أنّ هذا النزوع نحو التفخيم الميتافيزيقي للإنسان بلغ في القرنين التاسع عشر والعشرين ذروته مع الفلسفات الوجودية والإنسانية الجديدة، التي قدّمت الإنسان ككائن “متجاوز للحتميات”، وكمشروع مفتوح على اللامحدود.
لكن هذه المقاربة، حين تطبّق على الظواهر الحيوية والسلوكية، تُفضي إلى نتائج إشكالية: فهي تجعل من الانحرافات المرضية أدلة على سموّ الإنسان بدل أن تقرأها بوصفها علامات على خللٍ في توازنه الحيوي.
ومن هنا تنبع أهمية إعادة النظر في مقولات كولن ولسن وغيره ممن سعوا إلى تبرير الانحراف الإنساني بوصفه دليلًا على “التجاوز الوجودي”، لا عرضًا من أعراض الانفصال التطوري عن النظام الطبيعي.
الأساس الفلسفي للنزعة التأليهية للإنسان
يتأسس هذا الاتجاه على فكرة محورية مفادها أنّ الإنسان يختلف عن الحيوان بامتلاكه الوعي والإرادة الحرة، وأنّ هاتين السمتين ترفعانه فوق الحتميات. وقد بلورت الفلسفات الحديثة — من ديكارت إلى سارتر — هذا التصور حين جعلت من “الوعي بالذات” معيارًا للتفوق الوجودي.
لكن هذا الوعي، في جوهره، ليس دليلاً على الانفصال عن الطبيعة، بل نتاجٌ متأخرٌ لمسار تطوري طويل.
وهكذا، فإنّ تحويل الوعي إلى دليل على السموّ الفوق طبيعي يعني تسطيح العلاقة بين الوعي والبيولوجيا، وإغفال أن الوعي ذاته خاضع لقوانين الانتقاء والضرورة العصبية.
لقد أدّى هذا التوجّه إلى نشوء فلسفات “اللامنتمي” و”الإنسان المتفوق” التي رأى فيها ولسن مثالًا على توق الإنسان إلى المطلق، غير أنّها في حقيقتها انعكاس لشعور عميق بالانفصال عن الطبيعة أكثر مما هي دليل على تجاوزها.
كولن ولسن وتبرير الانحراف بوصفه سموًّا وجوديًا
في كتابه حول أصول الدافع الجنسي (The Origins of the Sexual Impulse)، حاول كولن ولسن أن يقدّم تفسيرًا فلسفيًا للسلوك الجنسي البشري في ضوء نزعة الإنسان إلى تجاوز المألوف والارتقاء نحو الكمال.
فالشذوذ الجنسي عنده ليس اضطرابًا، بل تعبيرٌ عن تمرّدٍ على الحدود المفروضة، ومحاولةٌ للانعتاق من قيد الغريزة.
لكن هذا التفسير، وإن بدا تحليلاً وجوديًا، ينطوي على تزييف للمنظور الطبيعي: فهو يخلط بين الحرية الحيوية والخلل الوظيفي، وبين فعل الإبداع وفعل الانفصام.
لقد سعى ولسن إلى أن يمنح “الانحراف” معنى ميتافيزيقيًا، حتى كاد أن يبرّره أخلاقيًا، بوصفه سعيًا نحو السموّ.
إن هذا التأويل — في جوهره — يعبّر عن إرادة فلسفية لتبرير الإنسان بكلّ ما يصدر عنه، حتى ما يناقض نظام الحياة ذاته.
الانحراف الجنسي بوصفه تحويلة تطورية لا سموًا فلسفيًا
في ضوء علم الأحياء التطوري، يمكن تفسير الانحرافات الجنسية وبعض المظاهر السلوكية الشاذة بوصفها تحويلات أو التواءات تطورية حدثت نتيجة ضغوط بيئية أو تغيّرات عصبية لم تكن ضمن المسار الطبيعي الأصلي للأنواع.
وبذلك فإنّ ما يراه ولسن سموًّا إنسانيًا، يمكن قراءته علميًا كـ خلل في انتظام الآليات الحيوية التي تحكم السلوك الجنسي في الطبيعة.
الإنسان، بهذا المعنى، ليس كائنًا يتجاوز الطبيعة، بل كائن انقطع عن نظامها بفعل وعيه المفرط الذي جعله في صراعٍ دائمٍ بين الغريزة والتأمل، بين الحيواني والعقلي.
إنّ قراءة الشذوذ الجنسي بوصفه تجليًا للحرية هي في الواقع خداع فلسفي يغطي على أزمة تطورية لم تُحسم بعد.
المقارنة مع الفلاسفة الوجوديين
يقترب موقف ولسن من بعض مقولات نيتشه وسارتر، لكنه يختلف في المنطلق والمآل.
فـ نيتشه رأى في تجاوز القيم الموروثة سبيلًا لإعادة خلق الإنسان الأعلى، لكنه لم يربط ذلك بانتهاك النظام الطبيعي، بل بتجاوزه أخلاقيًا.
أما سارتر، فاعتبر الحرية نفيًا للحتمية، لكنّه لم يجعل من الانحراف الجنسي تجليًا لهذه الحرية، بل من مسؤولية الإنسان تجاه ذاته والعالم.
في حين أن فرويد وداروين — من منظور علمي بحت — فسّرا الدافع الجنسي بوصفه طاقة بيولوجية لها قوانينها، لا رمزًا فلسفيًا.
من هنا يظهر أن ولسن، في محاولته الفلسفية، أسقط المعنى الميتافيزيقي على ظاهرة طبيعية، فحوّل المرض إلى ميتافيزيقا.
نحو أنثروبولوجيا متواضعة
إنّ ما تحتاجه الفلسفة اليوم ليس مزيدًا من تبرير الإنسان، بل مزيدًا من تواضع الإنسان أمام الطبيعة.
فبدلًا من أن يُنظر إلى الإنسان ككائن متعالٍ، ينبغي فهمه ككائن يعيش في برزخ الوجود بين الحيوانية والوعي.
إنّ هذه الرؤية المتوازنة لا تنفي فرادة الإنسان، لكنها تردّها إلى أصلها الطبيعي التطوري، وتضعها في سياقها الكوني الصحيح.
الإنسان لم يكتمل بعد، وما نراه من “تجاوزات” ليست سموًّا بل تجارب غير مكتملة في طريق وعي الطبيعة بذاتها.
خاتمة
لقد أسهم كولن ولسن، عن قصد أو غير قصد، في تكريس نزعة فلسفية تُبرّر الانقطاع عن الطبيعة باسم السموّ الإنساني.
لكنّ قراءة أكثر عقلانية تبيّن أن هذا “السموّ” ليس سوى عرض لخلل تطوري فرض على الإنسان أن يعيش مأزقه بين الطبيعة والعقل.
وحين نحمّله ما لا يحتمل، ونقوم بتأليه نواقصه، فإننا لا نمجّده، بل نعزله عن ذاته وعن الطبيعة التي شذَّ عنها، فنعسر عليه بذلك سبيل عودته إليها.
