اليسار السياسي الجديد في امريكا والداروينية

لطالما عُرف اليسار السياسي الجديد في امريكا بكونه المدافع عن الفئات المُهمَّشة والمُضطهدة، مستندًا إلى أساس أخلاقي متين يرفض التمييز العرقي، الطبقي، والسياسي. إلا أن الخطاب الذي يقدمه اليسار السياسي الجديد في أمريكا، لا سيما فيما يتعلق بقضايا الجنس، الجندر، والهوية، يأخذ منحىً مختلفاً يثير تساؤلات حول دوافعه الحقيقية. ينظر هذا المنظور النقدي إلى الإصرار على التحرر من قيود الطبيعة المتمثلة في ثنائية الذكر-الأنثى ليس كـ “حس أخلاقي عالٍ” أو “رغبة في إحقاق العدالة”، بل كـ إمعان في إذكاء شعلة التمرد البشري على أي قيود تتعارض مع إرادة الإنسان وهوى نفسه وما تشتهيه. يصبح التمرد على الطبيعة غايةً، وليس وسيلة للتحرر.
يتبنى اليسار الجديد علم البيولوجيا التطورية كإطار علمي، لكنه في الوقت ذاته، يدعو إلى تكفير صريح بـ مخرجاتها الداروينية على مستوى السلوك الاجتماعي. هذا الموقف لا يستهدف فقط الداروينية الاجتماعية، وهي التفسير السياسي والإجرامي للداروينية الذي أراد تبرير الظلم والتمييز العرقي والحروب. بل يتجاوزها ليضع الداروينية الطبيعية نفسها في موضع الخصم.
الداروينية الطبيعية (أو البيولوجيا التطورية) هي علم وصفي محايد، قدم وصفاً للواقع البيولوجي كما هو: قيود صارمة على السلوك الجنسي تحددت بفعل الانتقاء الطبيعي، تدور كلها في فلك التكاثر وضرورة ثنائية الذكر-الأنثى لاستمرار النوع. هذه القيود هي نتاج الطبيعة، وليست نتاج “تسييس” (كما فعلت الداروينية الاجتماعية).
عندما يتذرع اليسار الجديد بأنه يعارض الداروينية “الاجتماعية” فحسب، ثم يمضي ليطالب بـ إدماج المعتدين على حدود الطبيعة (بمعنى تجاوز النمط التكاثري)، فإن هذه الدعوة تبدو باطلة في جوهرها. فبموجب أي منطق تطوري أو بيولوجي يمكن تبرير الدعوة إلى التحرر من القوانين الصارمة التي فرضتها الطبيعة على سلوك الكائنات؟
إن جوهر نقد هذا اليسار، من هذا المنظور، ليس في تناقضهم مع العلم، بل في التناقض مع فكرة “القيد” أو “الحد” بشكل عام. تصبح الدعوة إلى تجاوز ثنائية الجنس إحدى تجليات هذا التمرد البشري الشامل. فكما تم التمرد سابقًا على القيود الدينية، والطبقية، والعرقية، يُنظر الآن إلى القيود البيولوجية على أنها عقبة أخيرة أمام تحقيق الإرادة الإنسانية المطلقة في تقرير المصير والسلوك، بصرف النظر عن أي منفعة تطورية (Evolutionary Advantage) تعود على النوع البشري.
يصبح التركيز على “هوى النفس وما تشتهيه” هو القانون الأعلى، بدلاً من التركيز على اللياقة الإنجابية للنوع، أو حتى على الاستقرار الاجتماعي. هذا المنطق يهدد بتحويل حركة سياسية ذات أسس أخلاقية قوية (محاربة التمييز العرقي والطبقي) إلى حركة تدعو إلى التمرد المجرد وتسعى لتقويض أي شكل من أشكال النظام البيولوجي أو الاجتماعي، طالما أنه يمثل قيدًا.
إن التحدي الجوهري الذي يواجهه اليسار السياسي الجديد هو: هل الهدف هو التمرد لمجرد التمرد اللامحدود، أم هو العدالة الاجتماعية والمساواة؟
على اليسار، لإعادة مصداقيته، أن يقوم بـ مراجعة نقدية فورية وجذرية لهذه التناقضات. يجب عليه أن يعود إلى ما ينبغي أن لا يحيد عنه: الدعوة إلى نبذ التمييز العرقي والسياسي والطبقي، وتوجيه طاقته لمحاربة الظلم الحقيقي بدلاً من خوض معركة ضد البيولوجيا الطبيعية. وإلا، فإنه يخاطر بأن يكون حاله كحال تلك الحركات الشعبوية التي شاغلها الأساس هو العمل على زيادة عدد المنتمين إليها بأي صورة كانت، عبر تبني أكثر الأجندات جذرية وتمرداً، حتى لو كانت هذه الأجندات تتعارض بشكل صارخ مع أسس الوجود الإنساني وتفضي إلى تقويض الوظائف البيولوجية الأساسية للنوع.

أضف تعليق