
تخبرنا التجربة اليومية بحقيقة محرِجة وهي أن كثير منّا يرى التشكيك في دوافع الآخرين وسوء الظنّ بهم «حقًّا أصيلًا» حين نمارسه نحن، لكنه يثور ويستنكره إذا مورس بحقه. هذه المفارقة ليست نزوةً فردية عابرة، بل نمطٌ متكرر عالميّ العبور للثقافات والطبقات. وإن عجزَت المقارباتُ السايكولوجية والسوسيولوجية المألوفة عن تفسيرها تفسيرًا مُقنِعًا، كما لا تُحسن المقاربةُ البايولوجيةُ التطورية ردَّها إلى منفعةٍ انتقائية مباشرة أو غير مباشرة، فذلك يفتح الباب لفرضيةٍ أعمق: وقوع تحويلةٍ في مسار التطور البشري جعلت ظهورَ سلوكياتٍ لا تُضبط بمنطق «المنفعة التطورية» أمرًا ممكنًا بل واسع الانتشار.
حدودُ الشروح السائدة
- التفسير النفسي-الاجتماعي يقول: سوء الظن آليةُ حمايةٍ للذات تُخفّض التعرضَ للاستغلال. لكنه لا يجيب عن الازدواج القياسي نفسه: لماذا نُبيحه لأنفسنا ونستنكره على غيرنا بالحدّة ذاتها عبر ثقافاتٍ متباينة؟
- التفسير التطوري القياسي (كالتحيز للأخطاء لصالح السلامة، وعِلم نفس التحالفات): قد يفسر الميلَ العام للحذر، لكنه يعجز عن تفسير إمطار المشهد الإنساني بسلوكياتٍ «فائضة» عن الحاجة البقائية: الانتقام المُفرِط، التعذيب، الحروب العقابية المفتوحة، الإفساد المتعمد، التنكيل، الاستعلاء الجذري على المختلف… وهي أنماط تتجاوز بكثير «جرعة الحذر التكيفية» وتستمر حتى حين لا تُنتِج ربحًا انتقائيًا بل خسائرَ صافية.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن لدينا فائضاً سلوكي غير تكيفي لا يفسَّر بآليات الحذر أو إدارة المخاطر وحدها.
فرضية “التحويلة التطورية”
تقترح هذه المقالة تسمية هذا الانعطاف بـ التحويلة التطورية؛ حدثٌ مفصليّ في مسارنا كبشر تسبّب فيه تراكبُ ثلاث قدرات بشرية نوعيّة:
- اللغة الرمزية العالية: التي مكّنت من إعادة توصيف العالم والآخرين وتلفيق نوايا، لا رصدها فقط.
- الوعي بالذات وبتصورات الآخرين عنّا (الذهن عن الذهن): ما أنتج حساسيةً مضاعفة للهيبة والكرامة والصورة.
- الخيال التسببي: الذي يملأ الفجوات بين الوقائع بتفسيراتٍ مسبقة، ويحوّل الشكّ إلى “قناعةٍ مُعلّلة”.
تراكبُ هذه القدرات صنع دورةَ تغذيةٍ راجعة:
سوء ظن → تأويلٌ عدائيّ لنيات الآخر → فعلٌ وقائيّ/عقابيّ مفرِط → ردٌّ مماثل من الطرف المقابل → ترسيخ الاعتقاد الأوّل.
هكذا يتحول الحذرُ التكيفي إلى بنيةٍ ثقافية-نفسية مستقرة تُنتج العنف والتمييز والحسد والانتقام بلا عائدٍ بقائي.
شواهدُ الفائض غير التكيفي
- الحروب العقابية الطويلة التي تُستنزف فيها الجماعات بلا مكاسب بقائية صلبة.
- التنكيل والتعذيب بوصفهما عروضَ قوّةٍ رمزية لا تزيد البقاء احتمالًا، بل تُراكم أحقادًا تُهدّد البقاء ذاته.
- الاستعلاءُ على الضعفاء والمختلفين (لونًا، عِرقًا، طبقةً)، وهو استعلاءٌ رمزيّ يَعدِم الفائدةَ البقائية المباشرة ويزيد هشاشةَ البنية الاجتماعية.
- الحسد والثأر والحقد المؤبَّد: طاقاتٌ ذهنية/عاطفية مُكلِفة لا تنغلق دوراتها بإزالة التهديد الفعلي، بل تُغذّي ذاتها ذاتيًا.
هذه الشواهد لا تُفهَم بوصفها «سوء تقديرٍ تكيفي» محدود؛ إنها نمطٌ منتجٌ لضررٍ مزمن يطال الأفراد والجماعات عبر قرونٍ موثّقة وذاكرةٍ شفهية ممتدة.
لماذا ليست «مجرد» انحرافات أو طفرات فردية؟
لو كانت انحرافاتٍ فرديةً معزولة لتلاشت بالانتقاء. الواقعُ أن هذه الأنماط:
- عابرةٌ للثقافات ومُتوارَثة رمزيًا،
- تتسق مع البنى المؤسسية (قوانين، أعراف، سرديات)،
- تستند إلى قدرات نوعية بشرية (لغة/وعي/خيال) لا إلى ردودٍ فسيولوجية بدائية.
إذاً نحن أمام منعرجٍ نوعيّ: قدراتٌ “فائقة” أنتجت قابليةً للفائض المؤذي؛ أي أن الزيادة في القوة الرمزية منحتنا إمكانيةَ ممارساتٍ ضد-تكيفية واسعة النطاق.
وفيما يلي اعتراضاتٌ سايكولوجية وسوسيولوجية على الطرح الذي تتبناه هذه المقالة، وكيفية الرد عليها:
- اعتراض: ربما كانت المنافع غير مباشرة (سمعة الردع، تماسك داخلي عبر عدو خارجي).
الرد: حتى لو وُجدت منافع ظرفية، فهي غير مستقِرّة انتقائيًا؛ إذ تنقلب سريعًا إلى كُلفٍ ممتدّة (دوامات ثأر، سباقات تسلّح، انهيار ثقة). الاستقرار التاريخي لدوائر الضرر يرجّح منطق “الفائض الذهني” لا “الرِّبح التكيفي”. - اعتراض: الثقافة وحدها تفسّر.
الرد: الثقافة هنا وسيط التحويلة لا أصلها؛ الأصل هو القدرات النوعية التي مكّنت الثقافة من تضخيم الفائض و«تثبيته».
معالمُ التحويلة التطورية (خصائص تشخيصية) - لا تنغلق بالدليل النافي: حتى غياب الدليل يُقرأ دليلًا (تأويل سوء النية افتراضيًا).
- قابليةُ التعويم الأخلاقي: ما نبيحه لأنفسنا نحرّمه على الآخرين بلا تناقضٍ شعوريّ داخلي ظاهر.
- التوسّط الرمزي: الفعل يُبرَّر بسردياتٍ مسبقة لا بوقائع مباشرة، ما يطيل عمر العنف والشك.
- التغذيةُ المؤسسية: قوانين/أعراف تعيد تدوير الفائض العدائي واستثماره.
إذاً، فإن بالإمكان ايجاز ما تقدم، والخلوص بالتالي الى نتيجة مفادها أننا إذا أردنا سرديةً صادقةً عن تطوّرنا كبشر، فلا يكفي إلحاقُ كل شيءٍ بمنطق “المنفعة التطورية”. “التحويلة التطورية”، بوصفها منعرجًا وُلد من تراكب قدراتنا الرمزية والوعي والخيال، تُفسِّر لماذا نسمح لأنفسنا بسوء الظن ونستنكره على غيرنا، ولماذا يفيض المشهد الإنساني بسلوكياتٍ منافية للتكيف التطوري: عدوانٌ ظالم، تنكيل، حروبٌ مُستنزِفة، حسدٌ وثأرٌ واستعلاء.
إن التعامل الجادّ مع هذه الفرضية لا يطالب بنفي التطور، بل استكماله، وذلك بالاعتراف بأن الإنسان كائنٌ لُغويّ-تصوريّ قادرٌ على إنتاج منظوماتٍ سلوكية تتجاوز النفع البقائي وتُعيد تشكيل بيئته الأخلاقية والاجتماعية بما يتعارض مع “الخط العام للطبيعة”. هنا، بالضبط، ينبغي أن نقف طويلًا؛ ففهم هذه “التحويلة” ليس ترفًا نظريًا، بل شرطٌ لتصميم سياساتٍ وثقافاتٍ تُقلِّص الفائض المؤذي وتُعيد للإنسان قدرته على الانضباط الأخلاقي بعيدًا عن ازدواجٍ يلتهمُنا جميعًا.
