
من بين أكثر الظواهر الإنسانية استعصاءً على الفهم، تلك التي تتجلى في هذا المزاج النفسي الذي يدفع الإنسان إلى الارتياب في نوايا الآخرين، وإحسان الظن بنفسه في الوقت ذاته. فنحن نشكّ في دوافع من حولنا، نقرأ ما يصدر عنهم من أقوال وأفعال قراءةً ملتبسة، ونحمّلها ما لا تحتمل من سوء الظن. غير أننا، وعلى نحو متناقض تماماً، نثور ونستنكر أشد الاستنكار حينما نُعامل بالمنطق ذاته؛ فنرفض أن يُساء تفسير أقوالنا وأفعالنا، ونرى في ذلك ظلماً فادحاً لا يليق بنا. هذه الظاهرة ليست سلوكاً فردياً مكتملاً بذاته، بل هي جزء بنيوي في التكوين الإنساني، حتى تكاد تكون شاملة وعابرة لكل اختلافات البشر: لا جنس يختص بها، ولا مجتمع تُستنبت فيه دون غيره، ولا عصر من عصور الإنسان خلا منها. لقد لازم هذا الشك المتبادل مسيرة الإنسان منذ بداياته الأولى، بما يجعل تفسيرها المستند إلى المقاربة البايولوجية التطورية أمراً محفوفاً بكثير من الإشكالات. فالمقاربة التطورية التقليدية تفترض أن السلوك الإنساني مبني على “المنفعة” و”التكيّف” و”البقاء”. وما لا يسهم في تعزيز فرص البقاء أو حفظ النوع، أو تحسين شروط التعايش الاجتماعي داخل الجماعة، لا معنى لبقائه ولا مبرّر لاستمراره. غير أن هذا السلوك المعقّد من الشك المتبادَل يقدّم نفسه بوصفه نقيضاً واضحاً لهذه الفرضية. فهو سلوك تدميري، يفتت الثقة ويقوض التماسك الاجتماعي، ويخلق حالة من الصراع الصامت والمتواصل بين الأفراد. فكيف يُعقل أن تبقي الطبيعة على سلوكٍ من شأنه أن يهدد أهم ما يحتاجه البشر للبقاء وهما التعاون والثقة؟ وهنا تتعثر المقاربة التطورية التقليدية؛ إذ لا يمكن تفسير هذه الظاهرة بوصفها امتداداً طبيعياً لمبدأ “النزاع من أجل البقاء” أو “الانتخاب الطبيعي”. ولو كان هذا الشك المتبادل نافعاً من حيث البقاء، لَما كان الإنسان ليثور حين يُعامل كما يعامل غيره. لأن السلوك النافع ينسجم مع نفسه، وينعكس على الذات كما ينعكس على الآخر، دون هذا القدر من التناقض. ثم إن التفسير السايكولوجي، مهما بلغ من العمق، لا يرقى إلى مستوى الإجابة الكافية، لأنه يظل يدور حول الأسباب القريبة مثل تجارب الطفولة والإهمال العاطفي والصدمات النفسية وغيرها من العوامل. غير أن هذه العوامل لا يمكن أن تفسر ظاهرة عالمية لا تكاد تخلو منها نفس بشرية. كما أن التفسير السوسيولوجي يفشل بدوره في حصر الظاهرة ضمن حدود ثقافية أو نظام اجتماعي أو بنيات سلطة معينة، لأن الظاهرة سابقة لكل هذه الأبنية وأقدم منها. إذاً فنحن إزاء ظاهرة ما قبل-اجتماعية وما قبل-تاريخية، تمتد جذورها إلى لحظة مفصلية في تاريخ الإنسان البيولوجي والمعرفي معاً. لحظة لم يعد فيها الإنسان مجرد كائن يتكيف ليستمر، بل كائنٌ يعي أنه يعي، ويقرأ ذاته بوصفها مركزاً منفصلاً ومتميزاً، وهذه اللحظة تمثل ما يمكن أن نطلق عليه التحويلة التطورية. تحوّل لم يكن استمراراً مباشراً لمسار التطور الحيوي، بل انقطاعاً عنه. انتقال من “الطبيعة” إلى “الوعي”. وقد يكون هذا الوعي نفسه هو العلة: فمنذ أن أصبح الإنسان قادراً على قراءة نوايا الآخرين، أصبح قادراً على الشك فيهم. ومنذ أن أصبح قادراً على إدراك ذاته كـ “أنا”، أصبح حساساً تجاه كل محاولة لتأويل هذه الـ “أنا” من قبل الآخرين.
إن الشك المتبادَل ليس مجرّد خلل في السلوك، بل هو نتيجة فرعية لوعيٍ فاق قدرة الإنسان على احتماله. إنه ثمنٌ دفعه الإنسان مقابل امتياز المعرفة وامتياز الإرادة. إنه أثر التحويلة الكبرى التي جعلت الإنسان كائناً أخلاقياً، لكنه كائنٌ ممزق بين رغبته في أن يفهم الآخرين ورغبته في أن يفهم نفسه أولاً.
فإذا كان الحيوان يتصرف، فالإنسان يعرف أنه يتصرف. وهذه هي بداية المأساة.
إن هذا التناقض الإنساني ليس شذوذاً، بل هو علامة على أننا لسنا مجرد نتاج للطبيعة. فالطبيعة لا تنتج تناقضات واعية. والوعي لا ينتج سلوكاً خالصاً من التوتر. وبين الطبيعة والوعي نشأت هذه المسافة التي يسكنها الإنسان، مسافةٌ لا يمكن ردّها إلى علم واحد أو تفسير واحد. إنها مسافة الإنسان نفسه.
