
ليس من المبالغة القول إن تاريخ الأفكار لا يُكتَب دائمًا كما كان، بل كما أُريد له أن يُروى. فالسرديات السائدة، التي تُنتجها النخب المعرفية في كل عصر، لا تكتفي بتوثيق الوقائع، بل تعمد، بوعي أو بدونه، إلى انتقاء الوجه الذي يخدم منظومتها الفكرية وإقصاء ما عداه بوصفه هامشيًا، محرجًا، أو غير منسجم مع “الروح العقلانية” التي ترغب في تعميمها.
من هنا، تصبح سِيَرُ كبار العلماء والمفكرين ضحية للاختزال؛ حيث يقدَّم كل واحد منهم في صورة أحادية، تُضخَّم فيها زاوية بعينها وتُطمس زوايا أخرى قد تكون هي المفتاح الحقيقي لفهم مشروعه المعرفي في كليته. ويمثل كلٌّ من إسحاق نيوتن في السياق الغربي وجلال الدين السيوطي في السياق الإسلامي نموذجين بارزين لهذه الإشكالية.
فالسردية الحديثة تقدم إسحاق نيوتن بوصفه الأيقونة العليا للعقلانية العلمية فيزيائيًا ورياضيًا ومؤسسًا للمنهج القائم على التجربة والملاحظة، وصاحب كتاب برينكيبيا ماثماتيكا Principia Mathematica الذي يُختزل فيه مجمل مشروعه العلمي، وتُستدعى منه، على وجه الخصوص، قوانينه الثلاثة للحركة.
غير أن هذه الصورة، على صلابتها، ليست سوى نصف الحقيقة. فالوجه الآخر لنيوتن، الذي جرى التعتيم عليه طويلًا، يكشف عن عالِمٍ انخرط بعمق في الخيمياء (Alchemy)والتنجيم والتأويلات الرمزية للنصوص الدينية وما يُعرف بـ “الهندسة المقدسة” والبحث عن النِّسَب الكونية الخفية. ولم تكن هذه الاهتمامات نزوات عابرة أو فضولًا جانبيًا، بل استحوذت على الجزء الأكبر من حياته المعرفية، بل وتشير الدراسات الحديثة إلى أن عدد مخطوطاته في الخيمياء يفوق ما كتبه في الفيزياء والرياضيات مجتمعة.
وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: أيُّ نيوتن هو “الحقيقي”؟ نيوتن الذي جرى تقديمه لنا بوصفه عقلًا علميًا خالصًا؟ أم نيوتن الموسوعي الذي كان يرى أن الوجود لا يُستنفد فهمه بالأدوات الرياضية وحدها، وأن ثمة طبقات أعمق لا تُدرك إلا بالحدس والرمز والتخمين المنهجي؟ إن إقصاء هذا الوجه من سيرة نيوتن لا يبدو بريئًا، بل يتسق تمامًا مع مشروع تطهير تاريخ العلم من كل ما لا ينسجم مع عقلانية ما بعد التنوير، حتى وإن كان هذا “الملوث” جزءًا أصيلًا من وعي العلماء أنفسهم.
على الضفة الأخرى من التاريخ، وفي السياق الإسلامي، نواجه مفارقة موازية ولكن معكوسة الاتجاه.
فجلال الدين السيوطي يُقدَّم لنا غالبًا بوصفه مفسرًا وفقيهًا ومحدثًا ومؤرخاً موسوعيًا. وهي صفات صحيحة في ذاتها، لكنها ليست الصورة الكاملة. فالوجه الذي جرى تهميشه في سيرة السيوطي هو كونه متصوفًا صريحًا ومدافعًا شرسًا عن التصوف ومؤصِّلًا لمشروعيته من داخل النص القرآني والحديث النبوي، لا من خارجهما. بل إن السيوطي خاض سجالات فكرية حادة دفاعًا عن المقاربة العرفانية، ورفض اختزال الدين في الفقه الظاهري أو العقل الكلامي المجرد. لكن هذا الوجه لم يكن مرغوبًا في السردية التي أرادت تقديم الإسلام بوصفه دينًا نصياً تقنينياً منضبطاً، منزوع البعد الذوقي والحدسي، فتم التعامل مع تصوف السيوطي وكأنه تفصيل ثانوي، لا يستحق أن يُدرج في تعريفه بوصفه عالماً. وهكذا، كما جُرِّد نيوتن من حدسه جُرِّد السيوطي من عرفانه.
تكشف المقارنتان أعلاه عن خلل بُنيوي أعمق، يتمثل في الهوس بالتصنيف:
• فيزيائي / لا فيزيائي،
• عقلاني / غير عقلاني،
• فقيه / متصوف،
• عالم / عارف.
هذه التصنيفات، وإن بدت مفيدة إجرائيًا تتحول في الممارسة التاريخية إلى أقفاص معرفية يُجبر المفكر على الإقامة داخلها ويُقصى كل ما يتجاوزها باعتباره حيوداً أو انحرافًا عن “الصورة المعتمدة”.
والحال، أن المشاريع المعرفية الكبرى نادرًا ما تكون أحادية البعد، بل إن عظمتها كثيرًا ما تكمن في توترها الداخلي بين العقل والحدس، بين البرهان والتأويل، بين ما يُقاس وما يُشعر.
إن هذه المقالة لا تدعو إلى تمجيد الخيمياء على حساب الفيزياء، ولا إلى إحلال العرفان محل الفقه، بل إلى الإنصاف المعرفي. فإعادة النظر في سِيَر العلماء والمفكرين وتحريرها من الاختزال الإيديولوجي، تتيح لنا فهمًا أعمق لطبيعة المعرفة الإنسانية، والبحث عن الحقيقة لا يسير في خط مستقيم، وتحررنا من وهم أن العقل الصارم وحده قادر على الإحاطة بغوامض الوجود.
فلعل “الوجه الحقيقي” لأي مفكر لا يكون هو الوجه الذي قُدِّم لنا، بل ذاك الذي توارى خلف السرديات المهيمنة، انتظارًا لقراءة أكثر شجاعة وأقل يقينًا وأكثر تواضعًا أمام تعقيد الإنسان.
