
ليس الدرويش، في جوهر المعنى، من يُكثِر من العبادات حتى تلهج بها شفتاه، بينما يشهد قلبه على نفاقٍ مستتر لا تُخفيه كثرة الطقوس ولا صخب الشعارات. فالتديّن، حين ينفصل عن تهذيب الداخل، يتحول من مسارٍ روحي إلى قناعٍ أخلاقي، ومن عبادةٍ مُحرِّرة إلى ممارسةٍ مُخدِّرة للضمير. كما أن الدرويش ليس من عرف الدين اسمًا وجهلَه خُلُقًا، فأخذته العزّةُ بالإثم واستبدل التواضع بالاستعلاء والرحمة بالقسوة والعفو بالهجر والعدوان. إن هذا النمط من التدين لا يعكس حضور الإيمان في النفس بل يكشف عن اختلالٍ عميق في البنية الأخلاقية، حيث تُختزل العلاقة مع الدين في طقوسٍ خاوية، ويُقصى جوهره القيمي الذي يقوم على الصفح والإحسان وضبط الأنا. ومن هنا، لا يكون النقد موجَّهًا إلى العبادة ذاتها، بل إلى انفصالها عن مقصدها الإلهي، وعن وظيفتها الأصلية في تهذيب الإرادة وكبح نزوع النفس إلى التصلّب والتعالي.
