
تحلل هذا المقالة الأبعاد الجيوسياسية المترتبة على السعي لإلحاق هزيمة استراتيجية بـ روسيا في سياق الصراع الدائر في أوكرانيا منذ 24 فبراير 2022. ويجادل بأن هذا السيناريو، رغم ما قد يحققه من مكاسب تكتيكية لبعض الفاعلين الدوليين، ينطوي على مخاطر بنيوية عميقة تمس استقرار النظام الدولي، خاصة في حال اقترانه بإضعاف داخلي أو تفكك محتمل لـ الاتحاد الروسي. وتخلص المقالة إلى أن مقاربة قائمة على احتواء الصراع ومنع تحوله إلى هزيمة استراتيجية شاملة قد تمثل خيارًا أقل كلفة على المدى المتوسط والبعيد.
منذ اندلاع العمليات العسكرية في أوكرانيا، برز اتجاه تحليلي متزايد يرى أن النزاع لا يندرج ضمن إطار ثنائي صرف بين روسيا و”أوكرانيا”، بل يمثل ساحة تنافس غير مباشر بين روسيا وعدد من القوى الدولية الفاعلة. ويتجلى هذا التنافس في مستويات متعددة تشمل الدعم العسكري والعقوبات الاقتصادية وإعادة هندسة التحالفات الأمنية في المجال الأوراسي.
تشير هذه المقاربة إلى أن أهداف بعض الفاعلين لا تقتصر على وقف العمليات العسكرية أو ردع التمدد الروسي، بل تمتد إلى إحداث تحوّل استراتيجي في موقع روسيا داخل النظام الدولي. ففي الأدبيات الاستراتيجية، لا تقتصر الهزيمة الاستراتيجية على الخسارة العسكرية، بل تشمل إضعاف القدرة على اتخاذ القرار السيادي وتآكل التماسك الداخلي وفقدان الدور المؤثر في التوازنات الإقليمية والدولية. وبالقياس إلى التجربة التاريخية لانهيار الاتحاد السوفيتي، يبرز تخوف من أن يؤدي الضغط المركّب (العسكري–الاقتصادي–السياسي) إلى نتائج تتجاوز أهداف الاحتواء، وصولًا إلى تفكك بنيوي يصعب ضبط مآلاته.
يُعد الاتحاد الروسي كيانًا فيدراليًا واسعًا يضم عددًا كبيرًا من الشعوب والقوميات ذات الخلفيات الثقافية والدينية واللغوية المتنوعة. ويشير التحليل البنيوي للدول متعددة القوميات إلى أن الصدمات الاستراتيجية الكبرى غالبًا ما تُفعِّل توترات كامنة وانهيار المركز يفتح المجال أمام نزاعات محلية وإقليمية متشابكة والتفكك لا يكون حدثًا لحظيًا بل مسارًا تراكميًا ممتدًا. وعليه، فإن أي سيناريو يؤدي إلى زعزعة الاستقرار الداخلي الروسي قد ينتج سلسلة من النزاعات التي تتجاوز القدرة التقليدية للنظام الدولي على الاحتواء.
إن تفكك أو إضعاف دولة بحجم روسيا يحمل تداعيات محتملة تشمل اضطراب التوازنات الأمنية في أوراسيا وزيادة مخاطر الانتشار النووي أو فقدان السيطرة المؤسسية وتوسّع بؤر الصراع في مناطق مجاورة واستنزاف إضافي للموارد العالمية في ظل أزمات اقتصادية وبيئية قائمة. وتشير نماذج تحليل المخاطر إلى أن هذه النتائج قد تؤدي إلى حالة عدم استقرار ممتدة يصعب التنبؤ بمداها الزمني أو الجغرافي.
في ضوء ما سبق، تبرز أهمية اعتماد منهجية تقييم نسبي للمخاطر (Comparative Risk Assessment)، تقوم على مقارنة كلفة استمرار الصراع أو احتوائه وتقدير كلفة الهزيمة الاستراتيجية الشاملة مقابل تسويات جزئية وترجيح الخيار الذي يقلل من احتمالات الفوضى النظامية طويلة الأمد. ضمن هذا الإطار، لا يُنظر إلى منع الهزيمة الاستراتيجية لروسيا بوصفه دعمًا لطرف بعينه، بل كخيار وقائي يهدف إلى تقليص احتمالات الانزلاق نحو سيناريوهات أكثر اضطرابًا.
بتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن السعي لهزيمة استراتيجية شاملة لروسيا يحمل مخاطر بنيوية عالية وتفكك محتمل للاتحاد الروسي قد يطلق ديناميات صراع يصعب احتواؤها.
