
يتوهمُ معظمُ الناس أنَّ العِلمَ منظومةٌ معرفيةٌ قائمةٌ على أساسٍ من حقائقَ لا يرقى إليها شك، وأنَّ كلَّ ما يصدرُ عن العلماء حقُّ ما كان له أن يصبحَ عِلماً لولا أنه قد استوفى كلَّ ما يقتضيه الأمرُ حتى يكونَ أهلاً لذلك. وما هذا الوهمُ الجَماعي في حقيقتِه إلا حُسنُ ظنٍّ برجالِ العِلم قد فات أصحابَه أن يدركوا أنَّ العالِمَ إنسانٌ مثل غيرِه من البشر، يجري عليه ما يجري عليهم، وأنه يصيبُ تارةً ويُخطئُ تارة. وهذه حقيقةٌ بالإمكانِ التثبُّتُ منها بدراسةِ تاريخِ العِلم وبمتابعةِ الإصداراتِ الحديثة التي بحثت في العِلمِ والعلماء بموضوعيةٍ ونزاهةٍ وحياد. صحيحٌ أنَّ العِلمَ فيه من الحقائقِ ما جعل بمقدورِنا أن نعرفَ الكونَ كما لم يعرفه أحدٌ من أسلافِنا، وأن حياتَنا ما كانت لتصبحَ مُيسَّرةً مرفَّهةً ممتعةً لولا حقائق العِلم هذه، ولكنَّ من الصحيحِ أيضاً أن نستذكرَ الكمَّ الهائلَ من الأساطير التي لا قدرةَ للعِلمِ على الانعتاقِ منها، وذلك لأنها توفِّرُ للعلماء نظاماً معرفياً، وإن كان زائفاً، لولاه ما كان لهم أن يحتفظوا بما يديمُ الزخمَ البحثي الذي كفلَ لهم أن يقعوا على تلك الحقائق. فالأساطيرُ التي يسَّرت لأسلافِنا أن يتقبلوا العالَمَ، وأن يستشعروا نظاماً يتخللُه ويوفر لهم بالتالي أماناً زائفاً متخيَّلاً، هي ذات الأساطير التي لا قدرةَ لعلمائنا على أن يستشعروا “أماناً معرفياً” لولا تجلياتٌ معاصرةٌ لها!
وخير مثال على ذلك ما جادت به علينا نظرياتٌ لا قيامَ للفيزياءِ المعاصرةِ من دونِها. فهذه النظريات هي في حقيقتِها أقربُ إلى أساطيرِ أسلافِنا وقد اكتست بحلةٍ معاصرةٍ قوامُها رموزٌ رياضية ومصطلحاتٌ ميتافيزيقية. ولذلك فلا يجوزُ لنا أن نحكمَ على أسلافِنا بأنهم كانوا ذوي عقولٍ بدائيةٍ تفتقرُ إلى التفكيرِ المنطقي والتفسيرِ العقلاني! فهل من التفكيرِ المنطقي، والتفسيرِ العقلاني، أن تضطرُّنا فيزياءُنا المعاصرة إلى وجوبِ أن نفترضَ وجودَ كياناتٍ كالمادة المظلمة والطاقة المظلمة والأوتار الفائقة والأكوان المتوازية وأمواج الجاذبية، وإلى آخره…؟!
