
لكلمةِ “سبأ” في القرآن معنيان اثنان: المعنى الأول يتعلق بقومٍ أسبغَ عليهم اللهُ أنعُمَه فكفروا بها فعاقبهم على ذلك: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ. فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ. ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ) (15- 17 سورة سبأ).
أما المعنى الآخر، فإنه يتعلق بقومٍ آخرين كانت تحكمُهم ملكةٌ لها عرشٌ عظيم: (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ, إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ) (22- 23 النمل).
ولكلمةِ “مَديَن” في القرآن هي الأخرى معنيان اثنان: المعنى الأول يتعلق بالقومِ الذين توجَّه تلقاءهم النبيُّ موسى بعد خروجِه من مصرَ خائفاً يترقب: (فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى) (من 40 طه).
أما المعنى الثاني، فلقد وردَ في سياقٍ ذي صلةٍ بالنبي شعيب الذي وصفَه اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم بأنه “أخوهم”: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ. فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ) (36- 37 العنكبوت).
وهنا لابد من الإشارةِ إلى فرقٍ جوهري بين كلمةِ “مَديَن” التي وردت في القرآن في سياقٍ ذي صلةٍ بخروجِ النبي موسى من مصر، والتي وصفها القرآنُ بـ “أهل مَدين”: (فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى)، وبين كلمةِ “مَديَن” التي وردت في القرآن في سياقٍ ذي صلةٍ بالنبي شعيب، والتي وصفها القرآن بـ “أصحاب مدين”: (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (70 التوبة)، (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ. وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ. وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) (42- 44 الحج).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ كلِّ ما تقدَّم، أنَّ تدبُّرَ القرآن يقتضي من قارئه أن يتمهَّلَ ويتروَّى قبل أن يسارعَ إلى إطلاقِ الأحكام والجزمِ بأنَّ ما انتهى إليه من تفسيرٍ هو الحقُّ الذي لا يطالُه شك. فالكلمةُ القرآنية لا يتبيَّنُ معناها إلا بتدبُّرِها بتريُّثٍ يتيح للمتدبِّرِ أن يتقصى مواضعَ ورودِها في غيرِ الموضعِ قيدَ الدرس.
