شريعة الغاب… حين نظلم الطبيعة لنبرر خطايانا

لطالما استخدمنا مصطلح “شريعة الغاب” كمرادف للفوضى والبطش وسيادة منطق القوة المجردة من العدل. نطلقه بوصفه تهمة على الأنظمة البشرية التي يأكل فيها القوي الضعيف. ولكن، وقفة سريعة مع المنهج العلمي والمنطق الحيوي تكشف لنا أننا لا نظلم “الغابة” بهذا الوصف فحسب، بل نثبت عجزنا عن فهم قوانينها التي أبقت الحياة مستمرة لملايين السنين. فالمتأمل في الطبيعة يجد أن ما نسميه “بطشاً” ليس إلا دورة حيوية محكومة بقوانين صارمة. ففي الغابة، لا يقتل الأسد الغزال استعراضاً للقوة أو رغبة في التوسع أو استبداداً، بل يسد رمقه ليبقى التوازن قائماً. فالافتراس ليس ظلماً، بل هو أداة لضبط الأعداد ومنع الانفجار السكاني لنوع ما، مما قد يؤدي لتدمير الغطاء النباتي وانهيار النظام البيئي كاملاً، فالقوي في الغابة لا يمارس “الإبادة”، بل يمارس “الاصطفاء” الذي يضمن بقاء الأجيال الأكثر صحة وقدرة.
فلو كانت “شريعة الغاب” تعني حقاً أن القوي يأكل الضعيف بلا رادع أو قانون، لكانت النتيجة الحتمية هي الانتحار الجماعي للكائنات. وذلك كما يلي تبيانه وتفصيله:
1. إذا أباد الأقوياء كل الضعفاء، فماذا سيأكل الأقوياء في اليوم التالي؟
2. على قدر تعلق الأمر بقوانين التعايش البايولوجي، تخضع العلاقة بين المفترس والفريسة لمعادلات توازن دقيقة؛ فإذا انخفض عدد الفرائس، ينخفض بالتبعية عدد المفترسين نتيجة الجوع، مما يسمح للفرائس بالتكاثر مجدداً.
3. لو ساد منطق “البطش البشري” في الغابة، لاختفت الحياة من كوكب الأرض منذ أمد بعيد، ولأصبحت الغابات قفاراً خاوية.
إن مصطلح “شريعة الغاب” هو مثال صارخ على إقحام المفاهيم السياسية والاجتماعية البشرية في عالم لا يعترف بها. فنحن نوصم الغابة بالفوضى لنبرر فوضانا، ونصفها بالظلم لنخفف من وطأة المظالم التي نرتكبها تحت مسميات “الحضارة”. غير أن الحقيقة المذهلة هي أن الغابة تحترم “القسط” أكثر من مجتمعاتنا؛ فلا يوجد حيوان يكدس الثروات (الغذاء) ويترك أقرانه يجوعون، ولا يوجد حيوان يقتل لمجرد المتعة أو لإثبات الهيمنة السياسية.
لقد آن الأوان للكف عن استخدام هذا المصطلح الذي يفتقر للمصداقية العلمية. فالغابة ليست مكاناً للفوضى، بل هي مملكة النظام الأسمى. إن ما نطلق عليه “شريعة الغاب” هو في الحقيقة “خروج على شريعة الغاب”؛ فالبشر هم الكائنات الوحيدة التي تكسر قوانين التوازن الحيوي.
كما أن الأوان قد آن لنعترف أخيراً بأن الغابة بريئة من تهمة الظلم، وأن القانون الذي يحكمها هو قانون البقاء المتوازن، وليس قانون البطش الأعمى.

أضف تعليق