لماذا ينبغي الكفّ عن استعمال مصطلح «شريعة الغاب»؟… نقد علمي لإسقاط المفاهيم البشرية على الطبيعة

يشيع في الخطاب السياسي والإعلامي والثقافي استخدام مصطلح “شريعة الغاب” بوصفه استعارةً لحالةٍ يسود فيها العنف المطلق وينعدم فيها القانون ويُترك فيها المجال للأقوى كي يبطش بالأضعف بلا ضابط ولا معيار. وغالبًا ما يُستدعى هذا التعبير لتوصيف نظم بشرية فوضوية أو علاقات دولية مضطربة، فيُفهم منه أن عالم الطبيعة ذاته، الغابة تحديدًا، لا تحكمه إلا شريعة القوة العارية، حيث يفترس القوي الضعيف في دورةٍ عمياء من الظلم والفوضى.
غير أن هذا الاستعمال، عند إخضاعه للمنهج العلمي الصارم يكشف عن إشكالٍ مفهومي عميق. فهو ينطوي على إسقاط مباشر لمقولات أخلاقية وسياسية بشرية على منظومات بيئية لا تعمل وفق هذه التصنيفات أصلًا. فهل الغابة، فعلًا، فضاءٌ بلا قانون؟ وهل تختزل العلاقات بين الكائنات الحية في منطق البطش وحده؟ أم أننا نستخدم لغةً رمزية مضلِّلة تمنح الطبيعة صفاتٍ لم تعرفها قط؟
فعلوم البيئة الحديثة تُظهر أن النظم الطبيعية تُدار عبر شبكات معقّدة من التوازنات تتمثل في علاقات افتراس وتكافل وتنافس وتخصّص غذائي وتنظيم أعدادي للسكان ودورات للطاقة والمواد. هذه العلاقات لا تُدار على أساس «الظلم» أو «العدل». فالظلم والعدل مفهومان أخلاقيان بشريان. بينما هذه العلاقات تدار وفق آليات حيوية تهدف إلى استدامة النظام البيئي ككل. فالافتراس، مثلًا، لا يعني إبادةً عشوائية، بل هو يخضع لقيود بايولوجية صارمة تتمثل في محدودية الطاقة والسعة الاستيعابية للبيئة وسرعة التكاثر والهجرة والأمراض والضغوط المناخية. كل ذلك يمنع أي نوعٍ من السيطرة المطلقة التي يتخيلها مستخدمو مصطلح “شريعة الغاب”.
والآن، لنفترض جدلًا، أن الغابة تحكمها فعلًا قاعدة بسيطة مفادها “أن قويها يأكل ضعيفها” دون أي ضابط آخر. فما الذي سيترتب على ذلك؟ فإذا كانت الحيوانات القوية ستقضي على جميع الحيوانات الضعيفة، فإن مصادر غذائها ستنفد سريعًا. ومع اختفاء الفرائس، ستضطر المفترسات إلى الهجرة بحثًا عن موارد أخرى أو ستدخل في صراع فيما بينها أو ستنقرض هي بدورها. وباستمرار هذه العملية على نطاقٍ واسع، لن يستغرق الأمر طويلًا قبل أن تختفي معظم الأنواع من على سطح الأرض.
لكن الواقع البيئي يناقض هذا السيناريو بالكامل. فاستمرار الحياة لمئات ملايين السنين دليلٌ قاطع على أن الطبيعة لا تعمل بمنطق الإبادة الشاملة، بل بمنطق التوازن الديناميكي، فانخفاض أعداد نوعٍ ما يؤدي إلى تراجع مفترسيه، وارتفاع أعداده يؤدي إلى زيادة الضغط عليه، وهكذا في حلقات تصحيح ذاتي تحفظ استقرار المنظومة.
إن المشكلة الجوهرية تكمن في مصطلح “شريعة الغاب” في أنه يستعير لغة القانون والأخلاق البشرية لوصف عالم لا يعرف “تشريعًا وضعياً” أو “خرقًا” أو “عدالة” أو “ظلمًا” بالمعنى الإنساني. فهذه مفاهيم نتجت عن تطور المجتمعات البشرية، ومرتبطة بالوعي والاختيار والمسؤولية والمؤسسات. وهي شروط لا تنطبق على الكائنات غير العاقلة.
فحين نصف الطبيعة بأنها “ظالمة”، فإننا لا نصفها وصفًا علميًا، بل نُسقط عليها حساسياتنا الثقافية والسياسية. وحين نستخدم الغابة نموذجًا للفوضى البشرية، فإننا لا نفسّر الطبيعة، بل نستعملها استعارةً خطابية تخدم أغراضًا بلاغية لا معرفية.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن مصطلح “شريعة الغاب” لا يقدّم فهمًا دقيقًا لعالم الطبيعة، بل يعكس ميلًا بشريًا قديمًا إلى تفسير ما حولنا بلغتنا الأخلاقية والسياسية الخاصة. فالغابة لا تحكمها “شريعة وضعية” أصلًا. فلا شريعة القوة الباطشة ولا شريعة الظلم لهما تواجد في عالم طبيعي بالتمام والكمال، هو عالم الغابة، بل منظومات بيئية معقّدة تقوم على التوازن والتكيّف وضبط الأعداد واستمرارية الحياة. ومن ثمّ، فإن الاستمرار في استعمال هذا التعبير بوصفه توصيفًا علميًا للطبيعة يُضلِّل أكثر مما يوضّح. وإذا أردنا فهم العالم الطبيعي على نحوٍ أدق، فعلينا أن نتحرّر من إسقاطاتنا المفهومية، وأن نُقرّ بأن للطبيعة قوانينَها الخاصة؛ قوانين لا تشبه قوانين المدن ولا ساحات السياسة، ولا يمكن اختزالها في عبارةٍ دراماتيكية مثل “شريعة الغاب”.

أضف تعليق