في معنى قَولِ اللهِ تعالى “إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ”

أمرَ اللهُ تعالى الذين آمنوا أن يتخذوا الشيطانَ عدواً، وما ذلك إلا لأنه سبق له وأن أقسم بعزةِ اللهِ تعالى أن يناصبَ البشريةَ العداء: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا) (من 6 فاطر).
ولقد فصَّل اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم الآلياتِ التي يلجأ الشيطانُ إلى تفعيلِها ليتحقَّق له بذلك أن يضلَّ الإنسانَ عن سبيلِ الله. ومن هذه الآليات: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ. ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (16- 17 الأعراف).
ومن بين هذه الآليات أيضاً ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية:
• (قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (5 يوسف).
• (وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي) (من 100 يوسف).
• (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا) (53 الإسراء).
ولقد كشف اللهُ تعالى النقابَ عن مرادِ الشيطان من وراء هذه الآليات، فبيَّنَه للناسِ في كثيرٍ من آياتِ قرآنِه العظيم، ومنها قولُه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ( (90- 91 المائدة).
وهنا لابد وأن نتبيَّنَ حقيقةً لم يتبيَّنها كثيرٌ ممن قرأوا هاتين الآيتَين الكريمتَين دونما تدبر. فليست الخمرُ والميسرُ والأنصابُ والأزلام هي الوسائل الوحيدة التي يلجأ إليها الشيطانُ ليوقعَ بين الناس العداوةَ والبغضاء، وذلك كما يتوهم الذين يقصرون حقيقةَ مرادِ الشيطانِ من الإنسان على فهمٍ غيرِ صائب لقولِه تعالى “إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ”. فاللهُ تعالى إذ حدَّد هذه الآليات، فإنه لم يستبعد غيرَها وإن لم يذكرها. فالأصل هنا هو وجوب ألا تغيبَ عنا حقيقةُ مرادِ الشيطانِ منا: أن يوقعَ بيننا العداوةَ والبغضاء. فهذا هو ما ينبغي ألا يفوتَنا إدراكُه، وألا نقصرَ الأمرَ على الخمرِ والميسرِ لمجردِ كونِهما المفردتَين الوحيدتَين اللتين ذكرهما اللهُ تعالى في الآيةِ الكريمة 91 المائدة أعلاه. وهذا معنىً ينبغي أن نتوقفَ عنده كثيراً، وأن نتمعَّنَ فيه ملياً، وأن نُعمِلَ فيه عقولَنا حتى يتبيَّنَ لنا ما للعداوةِ والبغضاء، والخصومةِ والشحناء، من عظيمِ دورٍ في جعلِنا طوعَ أمرِ الشيطان الذي يعرف اللهَ أكثرَ مما نعرفه؛ كيف لا وهو الذي أقسمَ بعزةِ الله على أن يفعلَ كلَّ ما بوسعه ليضلَّنا عن سبيل الله: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (82- 83 ص).

أضف تعليق