مقاربة عقلانية–أنثروبولوجية في منطق التشريع القرآني

تُثار في الخطابات النقدية للدين شبهةٌ متكرّرة مفادها أن المنهاج التعبدي الذي جاء به الوحي يفرض على الإنسان تكاليف تتجاوز قدرته الطبيعية، بما يناقض توصيف القرآن ذاته له بوصفه كائنًا ضعيف البنية: “وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا”. غير أنّ هذا الاعتراض، عند إخضاعه للفحص المنطقي الداخلي، يكشف عن تناقض بنيوي في مقدماته؛ إذ يفترض من جهةٍ عجز الإنسان البنيوي، ثم ينسب من جهةٍ أخرى إلى التشريع الإلهي تجاهل هذا العجز، مع أن النص القرآني يؤكد بصورة متواترة أنّ الخالق هو الأعلم بطبيعة مخلوقه وحدود احتماله:  “أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ” و “هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ”. وضمن هذا الإطار، لا يُقرأ توصيف الإنسان بالضعف بوصفه معطىً معارضًا للتكليف، بل باعتباره الأساس الأنثروبولوجي الذي يفسّر طبيعة التشريع ذاته. فالقرآن لا ينفي محدودية قدرات الكيان البشري، وإنما يبني عليها منظومة أوامر ونواهٍ صيغت بما يراعي طاقته الوجودية القصوى، ويضبطها ضمن حدود قابلة للتحقق العملي. ومن هنا يبرز مفهوم “نفي الحرج” بوصفه مبدأً تشريعيًا مركزيًا لا هامشيًا: “وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ»، و «يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ”.
وفي ضوء المقاربة الميتابايولوجية التي ترى في “التحويلة التطورية الأولى” لحظة تأسيسية أحدثت اختلالًا طويل الأمد في البنية العصبية–الوجودية للإنسان، يمكن فهم التشريع القرآني بوصفه منظومة إصلاحية موجهة إلى كيانٍ متضرر، لا إلى نموذجٍ إنساني كامل الاستقامة. فالتكاليف التعبدية، وفق هذا المنظور، لا تمثل عبئًا تعسفيًا، بل تؤدي وظيفة أقرب إلى “بروتوكولات إعادة معايرة” للإرادة والإدراك والسلوك، بعد انحراف منظومة التوازن الداخلي التي كانت تضبط العلاقة بين الإنسان وذاته والعالم وربّه. ويغدو “نفي الحرج” هنا توصيفًا دقيقًا لحدٍّ معياري لا يجوز أن يتجاوزه التكليف؛ أي الحد الذي لو تخطّاه لتحوّل من عملية تهذيب وإصلاح إلى ضغط يتجاوز عتبة الاحتمال الوجودي للفاعل البشري. وهذا لا يعني انتفاء الكلفة أو غياب المجاهدة، بل يعني أن هذه الكلفة محسوبة بدقة ضمن إمكانات الكيان الإنساني بعد اختلاله، بحيث تبقى في دائرة الممكن الواقعي لا المستحيل النفسي أو الفيزيولوجي.
وعليه، فإن الجمع بين تقرير ضعف الإنسان من جهة، ونفي الحرج عن التشريع من جهة أخرى، لا يشكّل مفارقة داخل النسق القرآني، بل يكشف عن انسجام عميق بين الأنثروبولوجيا القرآنية ومنطق التكليف. فالتشريع لا يُفرض على كائن مثالي مفترض، بل يُخاطب إنسانًا تاريخيًا متصدّع البنية، ويُقدَّم له في صورة مسار إصلاحي تدريجي يستهدف إعادة تنظيم الداخل بدل إنهاكه.
ومن هذا المنطلق، يصبح السؤال الاستنكاري: كيف يمكن أن يريد الله من عباده أن يعبدوه ليصلح حالهم، ثم يشرّع لهم ما يفضي بالضرورة إلى العجز والانكسار؟ سؤالًا لا يعمل بوصفه خاتمة خطابية، بل نتيجة تحليلية تفرضها بنية الاستدلال نفسها: إذ إن تشريعًا يُنسب إلى إلهٍ عليم بطبيعة الإنسان، ثم يُصوَّر على أنه يناقض تلك الطبيعة جذريًا، هو توصيف ينهار منطقيًا قبل أن يكون محلّ اعتراض عقدي.

أضف تعليق