
من السهل أن نقول إن نيرون Nero أحرق روما لأنه طاغية وثني، وأن محاكم التفتيش الإسبانية Spanish Inquisition قتلت وعذبت لأنها مسكونة بعقيدة دينية، وأن الاستعمار الأوروبي ارتكب مجازره لأنه مؤمن بأيديولوجيا التفوق العرقي.
فهذه سردية مريحة؛ مريحة لأنها تعفينا من النظر في المرآة. فالفكر الليبرالي المعاصر رسّخ سرديةً تبدو بديهية؛ فالعنف سببه الإيديولوجيا. وكلما تراجع حضور العقائد الشاملة، تراجع العنف. وكلما انتصرت “الحيادية” و”العقلانية الإجرائية”، اقتربنا من السِلم. لكن هذا التفسير ليس تحليلاً، بل تهرّباً أنيقاً.
إن العنف لا يبدأ بفكرة، بل يبدأ بقابلية؛ وهي قابلية الإنسان للتوسع حين تتراكم القوة، وقابليته لتحويل التفوق إلى حق، وقابليته لاختزال الآخر إلى عائق أو مورد. فالإيديولوجيا لا تخلق هذه القابلية. هي فقط تمنحها خطابًا. فالاستعمار لم ينطلق من كتاب فلسفي، بل من فائض سفن ومدافع ورؤوس أموال. فمحاكم التفتيش لم تولد من عقيدة مجردة، بل من خوف سلطوي على وحدة سياسية هشة. وحتى حريق روما، سواء أكان فعلاً أم أسطورة، لم يكن نتاج “نسق فكري”، بل نتاج اختلال في علاقة السلطة بذاتها. فالفكرة تأتي لاحقًا، كغطاء أخلاقي وتبرير إيديولوجي.
ولكن، لماذا يُصرّ الليبراليون على اتهام الإيديولوجيا بأنها هي العلة من وراء العنف؟ تكمن الإجابة في حقيقة كون الاعتراف بأن العنف بنية إنسانية مرتبطة بالقوة يقوّض الأساس الأخلاقي لتفوقه الذاتي. فإذا كان العنف ناتجًا عن “الإيديولوجيات المغلقة”، فإن الليبرالية، بوصفها “إجرائية ومحايدة”، تبدو بريئة. لكن ماذا عن الحروب التي خيضت باسم “نشر الديمقراطية”؟ وماذا عن العقوبات التي حطمت مجتمعات كاملة باسم “النظام الدولي القائم على القواعد”؟ وماذا عن الاستعمار حين أعاد تسمية نفسه “تمدينًا” و”رسالة حضارية”؟ فحين تمارس الليبرالية العنف، فإنها لا تسميه إيديولوجيا، بل تسميه ضرورة أو أمنًا أو استقرارًا أو تدخلاً إنسانيًا. وهنا تكمن الخدعة. فالإيديولوجيا ليست فقط ما يصرخ بشعارات كبرى، بل أيضًا ما يتخفّى في لغة التقنية والإدارة.
إن الفكرة لا تُنتج الشهوة إلى السيطرة، بل الشهوة هي التي تبحث عن فكرة. فحين تتراكم القوة بلا ضابط، يبدأ البحث عن سردية: مسوغ ديني مزعوم أو قومية أو تقدم أو حداثة أو تحرير أو حقوق إنسان، لا فرق. فكل عصر يصوغ لغته الخاصة لتبرير الفعل نفسه. فالتاريخ لا يُظهر لنا صراع أفكار بقدر ما يُظهر صراع قوى تستخدم الأفكار كرايات.
إن الإنسان ليس كائنًا يسالم بطبيعته حتى تفسده الأفكار. فهو كائن يمتلك قدرة على التمدد حين تتاح له الوسائل. وكل منظومة فكرية، مهما بدت سامية، قابلة للتحول إلى أداة هيمنة إذا انفصلت القوة عن المساءلة. فإلقاء اللوم على الإيديولوجيا يشبه إلقاء اللوم على اللغة لأنها استُخدمت في الكذب. فالمشكلة ليست في البنية الرمزية، بل في البنية الوجودية للفاعل حين يمتلك فائض قوة.
فليس السؤال: كيف نمنع الإيديولوجيات من إنتاج العنف؟ بل السؤال: كيف نمنع القوة من الانفلات، أيًّا كان خطابها؟ إن الليبرالية التي تختزل المشكلة في “التطرف العقائدي” تتغافل عن حقيقة أكثر إزعاجًا مفادها أن العنف يمكن أن يُمارس باسم العقلانية والقمع يمكن أن يُدار ببرود إداري والإفساد في الأرض يمكن أن يتم بلا صراخ ولا شعارات.
وهنا لابد من أن نشدد على وجوب رفض خرافة مفادها أن الإيديولوجيا هي أصل الإفساد ورفض اختزال التاريخ في صراع أفكار منفصلة عن البنية المادية للقوة ورفض سردية البراءة الليبرالية التي ترى العنف دائمًا في مرآة الآخر. فالإيديولوجيا هي ليست الجريمة، بل الممهد الفكري لها. فالجريمة تبدأ حين تمتلك القوة نفسها بلا قيد، وتبحث بعد ذلك عن معنى يبررها. ومن نيرون إلى الاستعمار إلى كل حرب حديثة، لم يتغير شيء جوهري. فالقوة أولاً والسردية لاحقًا.
