بذاتِ القلم تُرسَمُ أبسطُ الأشياءِ وأعقدُها!

يمكن النظر إلى هذه المقولة: “بذاتِ القلم تُرسَمُ أبسطُ الأشياءِ وأعقدُها!” بوصفها تكثيفًا شديد العمق لتحوّلٍ إدراكيّ جذري أحدثته الانعطافة التطورية الأولى؛ إذ لم تعد الأداة (القلم هنا بوصفه رمزًا) مجرد وسيط لنقل ما يُرى، بل أصبحت أداةً لإنتاج ما لا يُرى، بل وما قد لا يكون له وجودٌ أصلًا خارج فضاء التمثّل. فقبل هذه الانعطافة، كان التوازن بين الإدراك والافتراض مضبوطًا ضمن ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد الطبيعة”؛ حيث أن الكائن الحي لا يُنتج تمثّلاتٍ إلا بقدر ما تخدم استجابته المباشرة. فالرؤية محدودة، والافتراض تابع لها، ولا مجال لفائضٍ تمثّلي يتجاوز الحاجة الحيوية. وفي هذا السياق، لا يمكن للقلم أن “يرسم” إلا ما له أصل في التجربة الحسية المباشرة، لأن الجهاز الإدراكي ذاته غير مهيأ لتوليد تعقيدٍ غير ضروري. غير أن الانعطافة التطورية الأولى كسرت هذا القيد، وأدخلت الإنسان في “فائض التمثّل”. وهنا بالتحديد تكتسب المقولة معناها الميتابايولوجي العميق؛ فالقلم لم يعد تابعًا للواقع، بل أصبح شريكًا في إنتاجه.
فبذات القلم الذي يرسم خطًا بسيطًا، يمكن أن تُبنى أعقد البُنى الرمزية كمعادلات رياضية ونظريات فيزيائية وأنظمة قانونية وسرديات دينية، كما وتبنى أوهام كثيرة أيضًا. الأداة واحدة، لكن ناتجها لم يعد محكومًا بحدود الإدراك الحسي، بل بانفلات التمثّل ذاته.
وهنا تظهر المفارقة التي تكشفها هذه المقولة؛ فالبساطة والتعقيد لم يعودا صفتين للواقع، بل لآليات التمثّل التي تُعيد تشكيله. فـ”القلم” في هذا السياق ليس مجرد أداة كتابة، بل هو تجلٍّ لآلية أعمق تتمثل في القدرة على فصل الرمز عن المرجع. وهذا الفصل هو بالضبط ما أحدث الاختلال. إذ أصبح بإمكان الإنسان أن ينتج تمثّلات معقدة دون أن تكون مرتبطة بمرجعية حسية أو ضرورة بايولوجية. ومن هنا، يمكن لنفس الجهاز الذي يُبسّط العالم أن يُعقّده إلى حدّ العجز عن فهمه، كما ويمكن لنفس القدرة التي تُنتج العلم أن تُنتج الوهم. وهذا ما يتقاطع مع “قانون اقتصاد التمثّل”؛ فالقلم، بوصفه أداة تمثل، يسعى من حيث المبدأ إلى الاختزال (خط واحد بدل الشيء)، لكن في الوقت ذاته يفتح الباب لتراكم لا نهائي من الرموز التي تتجاوز هذا الاختزال، فتتحول البساطة إلى نقطة انطلاق لتعقيدٍ متضخّم. وبعبارة أدق، فإن التحويلة التطورية الأولى لم تمنح الإنسان القلم، بل منحته القدرة على استخدام القلم ضد حدوده الإدراكية. ومن هنا نفهم كيف يمكن للإنسان أن يرسم دائرة بسيطة، ثم يبني عليها هندسة إقليدية كاملة، ثم ينقضها بهندسة لا إقليدية، ثم يُدخلها في نماذج فيزيائية للكون. وكل ذلك يبدأ من نفس الأداة، لكن ما تغيّر هو البنية التي تستخدمها.
إن هذه المقولة، وفي ضوء هذا التحليل، لا تتحدث عن القلم، بل عن الإنسان بعد أن أصبح كائنًا تمثّليًا بامتياز؛ كائنًا يستطيع أن يُنتج من نفس الأداة نظامًا معرفيًا دقيقًا، أو متاهةً إدراكية يضلّ في تعقيداتها. وهنا تحديدًا يكمن أحد أخطر تجليات الانعطافة التطورية الأولى والتي تتمثل في أن الأداة التي حرّرت الإنسان من حدود الطبيعة، هي نفسها التي جعلته أسيرًا لفائض تمثّلاته.

أضف تعليق