“الوالون” و”الفلاندرز” مرآة لهشاشة الإنسان

لا يمكن فهم الانقسام البلجيكي المزمن بين الشمال الناطق بالهولندية (فلاندرز)، والجنوب الناطق بالفرنسية (والونيا)، كصراع تقني على الموارد أو السلطة فحسب. فهذا الصراع هو في جوهره تجلٌٍ صارخ لـ “هشاشة الإنسان”؛ حيث يتحول الخوف من الزوال أو التهميش إلى جدران رمزية صلبة تحاول حماية كيانات نفسية هشة.
فتاريخياً، عاشت المنطقتان تبادلاً في الأدوار يجسد تماماً تقلب الأحوال الذي يعكس ضعف الإنسان أمام التحولات الكبرى. ففي القرن التاسع عشر كانت والونيا هي القلب الصناعي النابض لبلجيكا، وكانت لغتها وثقافتها هما المهيمنتان. في المقابل، كان الفلاندرز يعانون من “هشاشة طبقية” ولغوية؛ حيث كان يُنظر إليهم كفلاحين في دولة تُدار بالفرنسية.
ومع تراجع الفحم والصلب، وازدهار التكنولوجيا في الشمال، أصبح مَن كان بالأمس قوياً ضعيفاً اليوم اقتصادياً. ولقد ولّد هذا الانقلاب شعوراً بالانكشاف لدى الطرفين؛ فالفلاندرز يحملون “ذاكرة الضحية” التي ترفض التنازل، والوالونيون يعيشون “صدمة السقوط” من عرش الهيمنة.
يقدم لنا الصراع بين هاتين الجماعتين مثالاً، لا يزال حياً إلى اليوم، على سعي الإنسان الدائم لسترِ هزالته الخَلقية، وذلك بالانتماء إلى كيان أكبر منه كاللغة والقومية. ففي بلجيكا، ليست اللغة مجرد وسيلة تواصل، بل هي “خندق وجودي”. فلقد مثّل الاحتماء باللغة عند الفلاندرز الوسيلةَ الوحيدة لاستعادة “الفخر الوطني” المهدور. بينما يرى الوالونيون هذا التشبث باللغة الهولندية تهديداً لهويتهم التي كانت يوماً ما عالمية حين كانت اللغة الفرنسية لغة امبراطورية. وهنا تظهر هشاشة الإنسان في أوضح صورها، وذلك حين يصبح الاختلاف اللغوي- الثقافي للآخر بمثابة محو للذات.
وعلى عكس الصراعات الدامية، يتخذ الصراع البلجيكي شكل “الحرب الباردة المؤسساتية”؛ فهي هشاشة ترفض المواجهة العنيفة لكنها ترفض أيضاً الاندماج الكامل. كما ويرى اليمين الفلمنكي في التحويلات المالية للجنوب “استنزافاً”، بينما هو في الحقيقة تعبير عن القلق من الارتباط بكيان يُنظر إليه كـ “عبء” قد يسحبهم إلى القاع.
إن هذا الهروب من الآخر الضعيف اقتصادياً، هو في الحقيقة هروب من الاعتراف بأن القوة الاقتصادية الحالية هي حالة مؤقتة وهشة بطبعها.
إن التعقيد السياسي البلجيكي، بنظامه الفيدرالي فائق الحساسية، ليس إلا محاولة لخلق بُنية تحتية “تحمي الجميع من الجميع”. فبلجيكا دولة صُممت لتعترف بأن الإنسان، حين يشعر بالتهديد في هويته، يصبح كائناً دفاعياً بامتياز. فالصراع بين الوالون والفلاندرز يذكرنا بالحقيقة التي دأبنا على تحليلها وفقاً للمبدأ الذي مفاده أن الصراعات ليست نتاج القوة، بل هي نتاج “الخوف من الضعف”، وأن الحروب (سواء كانت باردة أو ساخنة) تبدأ عندما يفقد الإنسان القدرة على تقبل “ضعفه الخَلقي”، فيسعى لتحصين نفسه خلف هويات هشة تصطدم بالضرورة مع هويات الآخرين الهشة أيضاً.

أضف تعليق