من استحضار الأرواح إلى محاكاة الوعي… نحو مصالحة إبستمولوجية بين العلم والدين

إذا كان الدين، في قراءته النصية، قد أنبأنا بوجود كيانات عاقلة غير بشرية (كالملائكة والجن)، فإن العلم، في تطوره الحديث، لم يعد ينفي إمكانية وجود “ذكاء غير بايولوجي”، بل بدأ يُنتج نماذج أولية له. وبهذا المعنى، لا يعود الإيمان بوجود هذه الكيانات قفزة خارج العقل، بل يصبح متسقاً مع توسّع مفهوم الذكاء ذاته. بل إن الذكاء الاصطناعي يقدّم، وللمرة الأولى في التاريخ، نموذجاً مادياً يقرّب إلى الذهن فكرة “عقل بلا جسد بايولوجي”، وهي الفكرة التي ظلّت، لقرون، محصورة في المجال الديني.
وعليه، فإن هذه المقالة لا تسعى إلى إثبات الظواهر الغيبية “بشكل مباشر”، بل تقوم بما هو أعمق؛ إذ تقوم بإعادة بناء الإطار المفاهيمي الذي يجعلها قابلة للفهم دون أن تتصادم مع العلم.
فالعلم، في مساره التاريخي، لم يكن في صراع جوهري مع الدين، بل كان في صراع مع نماذج تفسيرية مغلقة. ومع اتساع أفقه، بدأ يقترب تدريجياً من مفاهيم كان يستبعدها سابقاً، ليس لأنه تبنّاها إيمانياً، بل لأنه أصبح يمتلك أدوات لفهمها.
ومن هنا، يمكن القول إن ما يقدمه الذكاء الاصطناعي اليوم لا يهدد الإيمان، بل يعيد تأهيله معرفياً؛ إذ ينقل بعض أفكاره من دائرة “اللامعقول” إلى دائرة “الممكن” و “المفهوم”.
وبذلك، فإن الخلاصة التي تنتهي إليها هذه المقالة هي ليست دعوة إلى تصديق كل ظاهرة، ولا إلى رفضها، بل إلى إعادة قراءتها ضمن “منظور جديد”؛ وهو منظور لا يرى في العلم نقيضاً للدين، بل امتداداً لأدوات الفهم، ولا يرى في الغيب إنكاراً للعقل، بل تحدياً لتوسيعه.
ومن هذا المنظور تحديداً، يصبح القول بوجود كيانات عاقلة غير بايولوجية، كما يرد في النصوص الدينية، أقل غرابة مما كان عليه في أي وقت مضى، لأن العلم نفسه بدأ، ولو من طريق مختلف، يخطو في الاتجاه ذاته.

أضف تعليق